غراب
انطلق الصغار يجرون بعبث طفولى محبب.. يتخبطون أقدام المارة بلا وعى ولا اهتمام، يتصايحون فى حلقات أو أحيانا يتقافزون دونما تحفظ .. يجمعون التراب أكوامًا ويقفون فوقه فى ثبات، وحينًا يرصون قطع الفخارسبع طبقات يضربونها بكرة صغيرة ويجرون، أو يعبثون بجلباب (غراب ) عبيط القرية ، والذى يجدون كل المتعة فى اللعب معه ..وبه ..وشد أثوابه وإغاظته .. اليوم جروا خلفه وضربه أحدهم بحجر في رأسه شجَّ جبهته فانفجرغراب غضبًا وجرى خلفهم يطاردهم وهم يجرون بين صيحات الخوف المختلطة بالضحكات السادية , وغراب هوعبيط القرية حقًا لكن لا أحد يعرفه أو يعرف من أين جاء.. ظهر غراب فى قريتهم فجأة.. وجدوه .. اعتادوا عليه وأصبح واحدًا منهم كعادة المصريين جميعًا .. الألفة أسرع هرمون يجرى فى دمائهم !
يجودون عليه بطعامهم الذى يتكون من كسرة خبزوقطعة من الجبن القديم, أحيانًا بعض الفول فى صحن لم يعودوا بحاجة إليه, قد يعطيه بعض الأثرياء قطعة من الدجاج فيأخذها ويختفى بها عن الأنظار ..لم يكن غراب يأكل أمام أحد بل يأخذ طعامه و يغيب قليلًا ليأكله فى مكان ما ثم يعود ليجلس تحت نخلة أو بجوار الساقية أو فى ظل أحد البيوت، أحيانًا يمنحوه ما ضاق عليهم من ملابس لتقيه برد الشتاء ، وغراب يبيت فى أى مكان، يبيت فى المسجد فى أيام الشتاء ..أما فى الصيف فينام بجوار الساقية ..أو فى أحد الحقول, اعتاد الأطفال أن يعبثوا به ويجرى خلفهم فى كل مكان لكنهم يتحاشون بالطبع مكان البيت المهجور؛ فجميع أولاد القرية يخافون مجرد الاقتراب من هذا البيت , وإن كان بعضهم يزعم أنه رأى غراب يدخله ويبيت فيه أحيانًا لكنها تبقى مجرد إشاعة غير مؤكدة لعلمهم أنه لا أحد يستطيع الاقتراب من البيت القديم الذى هجره صاحبه ويدعى (شعبان) موظف بالمساحة، هجره بعد أن انتحرت زوجته برمى نفسها من فوق السطح، ويقال أن زوجها هو من رمى بها وأنها لم تنتحر بل ماتت مقتولة , ومن يومها زاد الحديث عن البيت وصاحبه وزوجته وتعددت الأقاويل وحققت المباحث في الأمر ولم تثبت شيئًا وبالتالى قيدت القضية انتحارًا، ومرت الأيام وشعبان يعيش وحده وأهل القرية يسمعون الصراخ ليلًا يشق الظلام.. صرخات مجهولة المصدر تأتى من جهة البيت .. صرخات تشبه صوت زوجة شعبان تمامًا, الزوجة التى سقطت من فوق السطح .. الزوجة الميتة! .. يقترب البعض بحذر من البيت لعله يعرف مصدر الصوت إلا أنه يجده مظلمًا ..أنواره كلها مطفأة .. ينادون صاحب البيت فيسكت الصوت تمامًا بمجرد أن يبدأوا فى النداء.. ويخرج لهم شعبان من بابه المظلم يكسو النوم وجهه ليسألهم عما يريدون فيخبروه بحكاية الصرخات المرعبة التى سمعوها ، ليقسم لهم أنه لم يسمع شيئا! .. وهكذا يعتذرون له وإن كانت الحيرة تمزقهم فلا يدرون سببًا لما يحدث, وتمر الأيام ويعتاد أهل القرية سماع الصرخات، وإن كان أحدهم لم يجرؤ أن يقترب ليعرف..كل ما عرفوه وأيقنوا منه هو أن هذا البيت أصبح ملعونًا تسكنه العفاريت.. وتعجبوا كيف يعيش به صاحبه بمفرده .. وفجأة.. اكتشف أهل القرية اختفاء شعبان .. لا يدرون هل سافر أم هرب ؟ ولكنه لم يظهر من يومها أبدًا ولم يجرؤ أحدهم - بطبيعة الحال - على اقتحام البيت أو حتى الاقتراب منه خاصة بعد أن ولدت قصة البيت المهجور الذى تسكنه العفاريت ثم ولدت أسطورة أمنا الغولة التي اتخذت منه وكرًا لها تجر ضحاياها إليه لتلتهمهم.. اختفى شعبان في ظروف غامضة وبعد عدة سنوات ظهر غراب ، لم يكن هذا اسمه ..ولكنهم اطلقوا عليه الاسم نظرًا لأنَّ كل شيء فيه كان أسودًا.. ملامحه المتسخة المبهمة غير الواضحة، شعره الأسود وملابسه السوداء المغبرة .. وعندما يقترب الظلام تبدأ كل أم فى البحث عن أبنائها تلملمهم من الشارع وسط صراخ وصيحات احتجاج، تفاجئ بكومة من الطين المتيبس فى الأظافر ..وشعر معجون بالتراب، وقدمين نسيتا لونهما.. تجذب كل أم طفلها وتدخله الحمام قسرًا ليستحم ..وتبدأ بركة الطين اليابسة في الذوبان وأكوام التراب تسيل مع الماء .. ولا تنسي التهديد اليومى
"إن من يلعب فى الشارع بعد المغرب تأكله أمنا الغولة "
وينطلق سؤال برئ يرتجف هلعًا من عينين جحظت رعبًا :
- ومن هي أمنا الغولة؟
فتجيب الأم بلهجة تخيفها هي نفسها:
- وحش أسود مفترس يأكل الأطفال الذين لا يطيعون أمهاتهم ويرفضون النوم مبكرًا ، أو يصرون على اللعب بعد المغرب .. وأمنا الغولة تسكن فى البيت المهجور .. وهكذا يتكور كل طفل تحت غطاءه تعبًا وخوفًا، يمتلئ رأسه بأحلام النهار وبقايا من خيالات أمنا الغولة .. تتكرر القصة فى كل بيوت القرية مع كل أطفالها فالحلم يسيطر على كل البيوت..
أما عن القرية فى النهار فالدروب مغبرة والحقول ممتدة، وصياح الأطفال يملأ ذرات الهواء .. والفلاحون يسوقون حميرهم ودوابهم طيلة النهار ذهابًا وإيابًا .. وحين يجتمع الأطفال تبدأ الحكايات فى الولادة، كل طفل له قصة سمعها من أمه أو جدته، وكل أم مؤلف مستقل بأسلوبه.. مختلف فى مفرداته وبلاغته .. فتجد هذه تضيف كلمة تصف لونها ..وتلك تصوغ عبارة تصف أسنانها وثالثة تضيف وصفًا لكيفية افتراس الآخرين ..ورابعة وخامسة ..على الرغم أن واحدة منهن لم ترها من قبل لكن دقة الوصف مرعبة فى حد ذاتها.. وتختلف الأوصاف ولكن يتفق الجميع على اسم واحد ( أمنا الغولة ) ، ولا أحد يدرى من أين ولدت هذه التسمية .. حيث كلمة (أمنا) توحى بالحميمية والحنان والطيبة فكيف يتفق ذلك مع الغولة ؟!.. ولكن بعض المتعمقين فى هذا الأمر قالوا إنها محاولة - لا إرادية - لتخفيف الجو المرعب المحيط بالصورة بإظهارها فى صورة آدمية .. البعض الآخر يرى أنه اسم نابع من الخداع.. حين ترتدى الغولة ثوب الحنان لتفترس ضحاياها الذين يطمئنون لها فيكون الرعب نابعًا من الخداع ..من المفاجأة .. من كونه يأتى من مصدر موثوق منه .. مصدر مأمون الجانب..
لذلك نجد أن أطفال القرية تتجمع كل حكاياهم حول هذا الكائن الأسطوري أمنا الغولة، واتفق الأولاد -وآه من اتفاق الأولاد - على أن يستمر لعبهم بعد المغرب أملا فى رؤية الغولة .. وهى مغامرة قد تكون عاقبتها أن تأكلهم أمنا الغولة أو يحدث الأسوأ.. أن تأكلهم أمهاتهم! .. بدت الوجوه شاحبة والخطوات مترددة خاصة عند اقتراب غروب الشمس وبداية ظهور صيحات الأمهات ينادين الصغار، وفى وسط فوضى الأصوات اختفت بعض الوجوه وعادت لمنازلها خوفًا، وبدأ العدد يتناقص حتى أصبحوا أربعة فقط.. نظر كل منهم للآخرين ودون اتفاق جروا ناحية البيت المهجور الذى يقال أن أمنا الغولة تعيش فيه.. كانوا أربعة صبيان يجمعهم اللعب كل يوم ..أحدهم وهو قائدهم وأشجعهم وصاحب فكرة هذه المغامرة ..اسمه صالح ..طفل بدين لكنه سريع الحركة إلى حد مدهش.. والثانى أخوه سعيد الذى يصغره بعامين ولا يقل عنه بدانة ..أما الآخران فمحمود طويل نحيف أسمر اللون جاحظ العينين والأخير عبدالمنعم أقصر الأربعة وأسرعهم جريًا ..فريق غريب غير متجانس جمع بينهم حب المغامرة وارتياد المجهول، سمعوا أمهاتهم ينادين أسماءهم بغضب فى البداية ثم بخوف لما طال الأمر فقرروا الاختباء خلف جدار البيت حتى يعم الظلام ولا يراهم أحد .. الصيحات تنطلق من كل صوب وهم ملتزمون الصمت إلى أن قال صالح:
- يجب علينا أن نلقى نظرة ونعود سريعًا هيا بنا
تبعه الآخرون بلا وعى.. الرعب يخنق أنفاسهم وهم يتسللون من باب البيت الذى يعتبرونه منذ وعوا الدنيا محرمًا، هكذا قال لهم الأباء وأمرت الأمهات .. هكذا حذروهم .. وقفوا بعدما اجتازوا باب البيت بخطوة واحدة يتلفتون حولهم ..يسبحون وسط بحر الظلام الدامس.. لا يرون شيئًا ولا يسمعون أي صوت ..وكأن البيت فى حفرة خارج حدود الأرض.. فقال عبد المنعم لاهثا :
- لايوجد شى هنا ..هيا نعود
قال صالح بأنفاس متقطعة مذهولة :
- إننا لم ندخل بعد وقد نرى شيئًا بالداخل
ترددت على خطواتهم ملامح الفرار خاصة حينما قال عبد المنعم :
- نعم ينبغى أن نعود فأمى ستعاقبنى بشدة لو علمت أننى دخلت البيت
الأصوات مازالت تعلو فى الخارج بحثًا عنهم مما زاد من توترهم إلى أن قرر صالح أن يرجعوا .. وبينما يستعدون للعودة سمعوا أنينًا خافتًا ولكنه واضح لشخص يتألم .. صوت مفزع منخفض عالٍ فى نفس الوقت ! كان الصوت عاليًا فى آذانهم .. أم أنه الصمت يضخم الأصوات؟ أم هى المفاجأة والصدمة ؟ وكان الصوت منخفضًا لم يسمعه إلا هم .. وكأنه يتعمد ألا يسمعه سواهم !.. ذهلوا لما سمعوا وانطلقوا يجرون للخارج، يتعثرون ويقومون ..جفت حلوقهم فزعًا وزاد نبض قلوبهم حتى صم آذانهم.. وفى الخارج وجدوا الجميع واقفين.. القرية كلها احتشدت أمام البيت ..وكأنَّ البعض كان يتوقع أنهم جاءوا إلى هنا بالتحديد.. ربما بحكم خبرة العجائز وحكمتهم أدركوا أن فضول الأطفال سيدفعهم للمجئ هنا ، وربما أدركوا أيضًا أنه لايوجد لهم مكان يختبئون فيه فى القرية كلها إلا هذا .. بأصوات لاهثة وأنفاس متقطعة وألسنة ترتجف رعبًا حكوا لأمهاتهم وللجميع ماحدث .. كيف أنهم قرروا أن يدخلوا البيت ليروا ما بداخله و سمعوا صوت أمنا الغولة ، وكل منهم يصفه بكلمة تصور كم كان الصوت غليظًا متوحشًا كأن الصوت يريد أن يفترسهم!.. نظرات صامتة من رجال القرية عقدت اتفاقًا غير مكتوب .. عادت القرية كلها إلى منازلها وكل أم تحتضن طفلها خوفًا وشفقة، كما لو كانت تريد أن تنسيه هول ما رآه وسمعه ..تريد أن تزيل الرعب الذى سكن فى عينيه وحفرملامحه على وجهه ..لم تعاقب أى أم طفلها بعدما رأت وجهه.. ربما لأنها رأت أن ما مر به يكفيه وأنه عوقب أشنع عقاب بكل هذا الفزع الذى عاشه فى الساعة الماضية، بات رجال القرية كلهم فى قلق كبير ومع صلاة الفجر عزموا على اقتحام البيت المهجور نهارًا مع بعض المشايخ وحفظة القرآن ليطردوا منه الشياطين التى تسكنه.. يطردوا منه أمنا الغولة.. واقتحم الرجال البيت المهجور لكنهم لم يجدوا شيئًا غير بعض العظام مختلفة الأحجام بعضها صغيرة وبعضها كبيرة الحجم, شعروا بالتقزز جميعهم نظر بعضهم لبعض فى قلق وتوجس قطعه أحدهم متسائلا :
- هل هذا هو طعام الغولة؟!
أجابه آخر:
- هذه عظام ضحاياها !
فرد ثالث :
-سمعت أنها تبتلع الضحية إن كانت صغيرة أما إن كانت كبيرة فتنهش لحمها
وفى وسط اللغط الدائر قال إمام المسجد:
- يجب أن تشرعوا في عملكم فورا لتهدموا وكر الشيطان ..
اتخذوا قرارهم بتسوية البيت بالأرض وطال الأمر حتى استغرق منهم معظم النهار، اشترك كل شباب القرية ورجالها وأطفالها فى أعمال الهدد ونقل الطوب وأكوام الطين اليابس والتراب والقاءها فى الترعة القبلية بعيدًا عن البيوت تخلصًا منها لإيمانهم أنها تنجست بالأرواح الخبيثة, ثم جمعوا ما تبقى من العظام التى وجدوها مع حطب البيت وأشعلوا فيه النار ..ولأول مرة تبيت القرية بدون البيت مهجور، وبرغم مرورالأيام لم يستطع الناس أن ينسوا أمنا الغولة، وكانوا ينظرون بخوف لمكان البيت المهجوركلما مروا من أمامه.. كأنه اكتسب هالة من الرعب ..حتى بعد أن أزالوه وأحرقوه ..ولكنهم على كل حال انشغلوا فى حياتهم حتى أنهم نسوا عبيط القرية (غراب) الذى رحل عن قريتهم من يومها ولم يره أحدهم أبدًا .
