أحلام
أشرقت الشمس على الدنيا واكتحلت السماء بنور الصباح , استيقظت كل الأشجار فرحة بالنسيم والضياء، وعلى إحداها وقف العصفور يتأمل روعة الطبيعة في الصباح الجديد ويجول ببصره فى أنحاء الأخضر الممتد أمامه، يسبح الله على ما أبدع وبينما غرق فى تأملاته استرعى انتباهه شيء ما هناك في الكتلة السكنية المقابلة والتي كانت بيوتها مازالت غافية ..كان هناك في الدور الرابع في منتصف البناية المواجهة له مباشرة نافذة مضاءة تعنى أن صاحبها لم ينم طوال الليل، يجلس خلف النافذة مهمومًا شاردًا ينفث سحب الدخان.. عجيب أمر هذا الإنسان يسهر ليلا وينام نهارا, وأى شيء هذا الذى يخرج من فمه؟! دخان كثيف كأن فمه يحترق!.. ولماذا يبدو حزينا هكذا؟ وهو الذى يملك الحرية لفعل أى شىء فى أى وقت.. ماذا لو كان يسعى كل يوم قبل شروق الشمس في طلب الحبوب لإطعام صغاره ويستمر في البحث حتى غروبها ؟.. سرح العصفور بخياله بعيدًا ..آه لو أننى أستطيع أن أصبح مثله ..أن أعيش حياتى كما أريد.. أنام في أى وقت وأستيقظ وقتما أحب متأخرًا، وآكل من كل الأطعمة الشهية شريطة ألا أقرب أى نوع من أنواع الحبوب, وأستبدل بالعش اليابس منزلًا واسعًا به وسائد وسرير، وأرتدى ملابس جميلة في الشتاء والصيف بدلًا من هذا الريش الذى لا أملك غيره .. أعيش آمنا من خطر الصيادين والطيور الجارحة والثعابين، ما أحلى حياة الإنسان , ليتنى كنت إنسانا .. ولكن كيف أصبح مثله؟ أنا مجرد عصفور صغير.. بل كيف أعبر عن رغبتى هذه وأنا لا أستطيع الحديث؟ بينما يمتلك هو لسانًا يخرج أصواتًا تعبر عما يريد، أما أنا فلو تحدثت معه سيصبح حديثى مجرد شقشقة بلا معنى ..لن يفهم شيئًا ..ما أجمل الأحلام وأصعب تحقيقها !..ولكن لأقترب منه وأحاول .. ربما أجد طريقة أو يجد هو طريقة ..أليس كائنا عاقلا يفكر؟ وطار العصفور حتى حطّ على حافة النافذة...
*****
غرق عادل في محيط همومه الخاصة ..كلما نظر إلى حياته وجدها تزداد سوءًا كل يوم فزوجته دينا لم تعد كما كانت، يتذكر أول لقاء له بها.. كانت وديعة ورقيقة كانت قنوعة، ولكنها بعد عشر سنوات من الزواج تبدلت تمامًا وصارت تلك المرأة الشرسة حادة الطباع التي لا ترضى عن أى شيء وتصرخ دائمًا بلا سبب حتى أنه أحيانًا يظن أن بها مس من جنون! ..أمس الأول دارت بينهما مناقشة بسيطة تطورت لمنازلة كلامية حادة تركت له على إثرها المنزل وذهبت إلى بيت أهلها عازمة ألا تعود.. أف لكل هذا.. لقد سأم كل تلك المشكلات ..سام زوجته وسأم عمله, حتى حياته سأمها، ماذا يحدث لو أنه شخص آخر أو حتى كائن آخر؟.. مثل هذا العصفور هناك والذى يقف على حافة النافذة.. هذا العصفور ليس لديه مشكلات من أى نوع فهويستطيع أن يشبع هو وأطفاله يومًا كاملًا بحفنة من الحبوب يلتقطها من أى حقل قريب.. يستطيع الزواج بكل سهولة بلا شبكة أو مهر ..بلا ذهب أو شقة أو أثاث ..مجرد عش صغير، كم يتمنى لو أنه أصبح مثله .. يطير في الصباح محلقًا لأى مكان، لايعوقه شيء ..يترك همومه على الأرض ويرحل بعيدًا، يتخلص من حياته المعقدة ومنزله الذى لم يعد يطيقه ويسكن أعلى الأشجار حيث الهواء النقى والخضرة الدائمة .. حيث لا توجد مشكلات عمل أو زحمة مواصلات أو زوجة غاضبة..
كم يتمنى أن يصير مثل هذا العصفور، ولكن كيف السبيل؟ كيف ينقل له تلك الرغبة؟ لو كان إنسانًا ينطق لاستطاع أن يحاوره ويفهمه، لكنه طائر.. مجرد طائر.. ما أجمل الأحلام وما أصعب تحقيقها ! .. دنا منه بحذر ومد يده للعصفور ببطء شديد، ولدهشته فقد مد الآخر جناحه كذلك وكأنهما يتصافحان .. وفى لحظة واحدة ومضت في رأس كل منهما فكرة بمجرد التصافح ..فكرة ليست بلغة تشبه لغات العالم، بل مجرد فكرة مفرداتها الشعور بالرغبة المشتركة في تبادل الأدوار وحملت كذلك موافقة الطرفين .. عقد تم إبرامه في لحظة واحدة بلا توقيع، واشتعل بداخلهما السؤال.. إن كان هناك اتفاق فكيف السبيل إلى تنفيذه؟ ما الطريقة التي يتبادلان بها الأدوار والأوضاع وكيف تنفذ ؟ ما الوسيلة التي يتحول بها الإنسان عصفورًا والعكس؟ وهزتهما الصدمة لهذه المشكلة التي تعوق تحقيق الحلم، وانفلت الجناح من اليد من وقع المفاجاة ليعلن توقف الاتفاق وموته قبل أن يولد، وبينما هما مشغولان بأثر الصدمة يبحثان عن طريقة لتجاوز هذه العقبة إذا بيد رقيقة تدق الباب يعقبها صوت هامس ..انطلق عادل إلى الباب وهو يعلم أنها زوجته وما أن رأته حتى ارتمت في أحضانه تبكى وتقبله وتعتذر..
رأى العصفور هذا المشهد المؤثر فدمعت عيناه فرحًا وتأثًرا بلم شمل هذه الأسرة مرة أخرى، وحزنًا على حلمه الذى انتهى قبل بدايته...وفرد جناحيه الصغيرين وحلق بعيدًا ..بعيدًا..تدفع به يد الشجن وتتلقفه رياح اليأس.. يبكى بدمع من ندم على حلمه الذى لم يكتب له أن يولد, وما زالت الأحلام تطارده في يقظته، عجيب هو هذا الشئ الذى يشعر به الإنسان.. شيء يجعل كل فرد منهم ينجذب للآخر ويشتاق إليه إذا ابتعد ويغفر له إذا أخطأ.. بل والأعجب أنه لا يعرف فردًا آخر من نفس النوع !.. وبينما يتجول بين الحقول رأى تلك الخضرة الزاهية، مجموعة أشجار ملتفة لم يرها من قبل مليئة بالثمار الناضجة وتحيطها أزهار متفتحة من شتى الألوان والأشكال، وهناك فوق أحد تلك الغصون شاهدها.. عصفورة فائقة الجمال لها ريش كثيف ينساب في نعومة فوق جسدها الجميل بديع الألوان في تناسق رائع، أما عيناها ..عالم من السحر والخيال.. شعر بقلبه ينبض وينتفض لرؤيتها ،استجمع شجاعته واقترب منها محييًا فردت عليه تحيته بتغريدة موسيقية كروانية ..سألها :
- هل أنت متزوجة؟
احمرَّ وجهها حياء وهى ترد بالنفي
- لا
طلب منها الزواج بفرحة صبغت ريشه باللون الوردى :
- هل تتزوجينى ؟
ووافقت فكاد يطير من السعادة!!.. لقد عرف الآن سر هذا الشئ الذى يربط الآدميين ببعضهم وإن كان لا يعرف اسمه إلا أنه أحس به، تذكر كيف كانت لهفته على أن يصبح إنسانًا وتساءل في أعماقه :
" لوأننى أصبحت إنسانًا فكيف كنت سأتزوج هذه المخلوقة الفاتنة ؟ "
رأت شروده فهمست بصوتها المغرِّد :
- فيم تفكر؟
أجاب بصمت باسم..فقالت فى حنق :
- إن لم تجبنى سأغضب منك ولن أحدثك باقى اليوم ..
ابتسم ثانية وقال في ارتياح :
- كنت أحمد الله أني ولدت عصفورا.!.
