شاهد على العصر
الصيف مرة أخرى.. وهج الشمس الذى ينصبُّ فوق الرؤوس فتلتمع بألف بريق ويجعل الشمس تولد شموسًا فى عيون الناس.. شلال من حرارة كفوهة بركان ينصب من السماء على الأرض ويكاد يذيب أسفلت الطريق فتلتصق به السيارات وأحذية المارة ..هل ترى هذا الرجل الذى التصق حذاؤه منذ قليل بالأسفلت؟ ..إن البلدية تعيد رصف الطريق وكأنها لم تجد وقتًا أو مناخًا أنسب من هذا الجحيم لتقوم بهذا العمل الغريب!! .. وما هى إلا أيام ويبدأ الحفر من جديد بحثًا عن سلك كهرباء منقطع فى العمق، أو ماسورة مياه مكسورة هناك أو سلك التليفون الذى نسوا - بالصدفة- أن يوصلوه.. وهكذا تظهر الحفر القبيحة فتشوه شكل الشارع إلى الأبد.. المحال فى هذا الشارع كثيرة جدًا ولكنى أحفظها جميعًا عن ظهر قلب بحكم عملى، هل ترى هذا الرجل على الناصية ؟ اسمه (عم شعبان) وأنصحك ألاتحاول أن تناديه بدون كلمة (عم) هذه فلن يجيبك .. بائع فول محترف هو لو كنت تريد فولًا للإفطار، وفول شعبان لذيذ بشهادة كل من اشترى منه - أنا شخصيًا لم أجرب أن آكل من عنده قبل ذلك - يجهز أطباق الفول باحترافية حقيقية، يهز المغرفة فى يده ويطوحها لعمق القدرة فتضرب ضربة أو اثنتين ويخرجها ممتلئة بحبات الفول السابحة في مائه ثم يمزجه ببعض الزيت، ثم رشَّة من ملح قليل فالملح الكثير - كما سمعته يقول - يفسد الطعم كما يضر الصحة، ويخرج بصلة أو اثنتين يشققهما كيفما اتفق.. وفوقها رشة من زجاجة خل اسوَدَّ إطارها الخارجي .. وهنا يأتى دور الشطة.. الكثير منها.. وكأن الشطة غير ضارة بالصحة! ...و....
- " بالهنا والشفا يا أستاذ " .
هكذا ليلتفت إلى زبون آخر ويستمر فى عمله الدؤوب منذ السابعة صباحًا حتى تحمى الشمس فيفرد شمسية مهترئة كثرت ثقوبها حتى لا تكاد تقيه أشعة الشمس، ولكنها دائمًا هناك كما لو كانت ذكرى يرفض نسيانها ..ولعلها تذكره بأيام شبابه حينما كان عامل انقاذ بأحد شواطئ الإسكندرية كما يحكى عن نفسه فى لحظات الصفو ..المحل خلفه ليس محلًا بالمعنى المفهوم ولكنه استوديو كما لابد أنك لاحظت.. ماذا.. لم تلحظ أنه استوديو؟! ..لابد أن بعينيك شيئًا أو ربما هي أشعة الشمس أصابتك ببعض (الزغللة) فلم تر ستويو (حليم) .. أشهر مصور في المنطقة ..لايوجد عروسان لم يلتقطا صورالزفاف عند الأستاذ حليم.. ستوديو ضيق المدخل وربما لذلك لم تلحظه عندما حدثتك عنه.. واجهته الزجاجية تكتظ بصور الزفاف ومئات البدل السوداء والفساتين البيضاء والوجوه الباسمة، لابد أن معظمهم صار أبًا وربما جدًا.. صورلامعة حديثة وأخرى مصفرة لفحتها الشمس بتوالى الأيام والشهور والأعوام كأنها قصة الحياة ..يجلس الأستاذ حليم نهارًا بلا عمل تقريبًا فلا يوجد من يدخل الأستوديو نهارًا إلا طالب جاء يلتقط صورًا من أجل كارنية للكلية، أو لاستمارة الثانوية العامة وهذه أمور موسمية - كما تعلم- أما لحظات مجد الأستاذ حليم فكانت عند توقف سيارات (الزفَّة) أمام الأستوديو.. كان يعشق العمل والزحام ويحافظ على الأستوديو نظيفًا عطرًا باستمرار؛ لذلك لك أن تتخيل إحساسه وهو جالس نهارًا ..لابد أنها أسوا ساعات اليوم بالنسبة له .. بجواره (فتاة ما) تعمل كسكرتيرة له ومصورة أحيانًا وتنظم دخول الزبائن لغرفة التصوير ولكنه - كمحترف يعشق مهنته - كان يحب أن يصور بنفسه لكى يضيف على الصورة لمحاته الفنية الخاصة.. وضع صاحب الصورة ووقفته هو كمصور..ضبط زاوية الكاميرا وعشرات التفاصيل الأخرى ..والأستاذ حليم مفنٌ يحب مهنته ويمارسها كفنٍّ ..لذا فلم يكن ليسمح لغيره أن يشاركه متعته هذه - إلا تحت ضغط العمل الشديد - ولعل ذلك يفسر لك تغييره للموظفات عنده باستمرار.. لم تكن الواحدة منهن تكمل الثلاثة أشهر حتى تفاجئ بغيرها وهكذا ..تسليته الوحيدة في تصفح الجريدة فبالإضافة لهواية التصوير فإن الأستاذ حليم قارئٌ نهم.. يتصفح الجريدة كلمةً كلمة وسطرًا سطرًا كأنما يريد أن يعتصرها ويشرب الحبر المتقطر منها ثم يتسلى بحل الكلمات المتقاطعة, على لأنه لا يختلط بأصحاب المحلات الأخرى المجاورة فهو بطبيعته انطوائى يحب عمله فقط، وبرغم المحاولات المستمرة من الحاج (عبد الرحمن) للتقرب منه عن طريق أكواب الشاي التي يرسلها له مع (حمادة ) صبى المقهى إلا أن ذلك لم يمزق الستار السميك المتحفظ الذى يضعه الأستاذ حليم حوله بإصراره على دفع ثمن الشاي دائمًا مما يغضب الحاج عبدالرحمن منه ..أراك تتساءل عن الحاج عبدالرحمن ..ماذا؟ ..ألم أحدثك عنه؟ ..إنه صاحب محل الجزارة المقابل للأستوديو مباشرةً.. رجل طيب هو يحب اللحم بكل أنواعه, ولكى لاتبتسم في خبث فأنا أقصد اللحم المذبوح الذى يؤكل وليس أى لحم آخر!! .. والحاج عبد الرحمن رجل اجتماعى جدًا ..جريء جدًا ..مقتحم جدًا ..يقتحم حياة أى أحد فجأة وبدون استئذان, مستعد للدخول في أى معركة بلامقدمات.. وبرغم أنه في شارع راقٍ بوسط المدينة إلا أنه يذكرك دائمًا (فتوات ) حوارى الأحياء الشعبية بمصر القديمة ، فلو ركبت آلة الزمن وعدت للخلف سبعين عامًا لكان مثالًا حيًا لشخصية المعلم عباس - أخو السفيرة عزيزة - ولكنه يمتاز عنه بصفة (جدعنة) ابن البلد الفطرية تجاه أى فرد من أفراد الشارع - خاصة لو كانت أنثى- فهو يشعر أنه مسئول عن حماية الجميع....
وبجوار محل الحاج عبدالرحمن تجد قهوة (السكرية) كما تراها شبه خالية نهارًا لا يرتادها إلا بعض أرباب المعاشات للعب الطاولة، أو بعض الصبية المتهربين من مدارسهم يدخنون الشيشة ..أما ليلًا فإن حمادة عامل القهوة يتألق وهو لايكف عن الحركة وتوزيع أكواب الشاي على الجالسين.. مع بعض العبارات التي أصبحت ملتصقة بلسانه:
" أربعة شاى مظبوط وواحد زيادة "
لها حياة أخرى تمامًا تختلف عما تراه أمامك ..وكم شهدت تلك القهوة العديد من المشاجرات خاصة عند مشاهدة مباريات الأهلي والزمالك، ويحدث الاحتكاك بين جمهور كل فريق ثم تدخل الشرطة - القسم في أول الشارع بالمناسبة - ولكن برغم كل شيء تبقى قهوة السكرية علامة بارزة في هذا الشارع ..
مقابل القهوة وملاصقًا لستوديو حليم تجد سعيد العصّار.. و(العصّار) هذا ليست اسمًا ولكنها صفة لأنه صاحب (عصّارة القصب ) الكبرى فى منتصف الشارع.. بائع مرطبات منذ أن كان طفلًا ..كان يعمل فى هذا المحل وبعدما كبر اشتراه من ورثة صاحبه بعد وفاته وتزوج ابنته .. وسعيد معروفٌ منذ طفولته بسعيد العصار ولم يكن يعيبه سوى أنه رجل (بصباص) لا يكتفى بمجرد النظر لأى أنثى ولكنه يعتصر جسدها بعينيه.. ربما كان هذا سببًا ثانيًا لإطلاق اسم العصار عليه، فبعدما تشرب الزبونة كوب العصير يستلم المال منها وعيناه مغروزتان بجسدها قائلًا بوقاحة فجة :
"خلِّيها علينا ياعسل"
غير أن بعض (العسل) كان يعجبهن حديثه الذى لايخلو من غزل مرح فتبتسم راغمة وتنصرف، أوتطلق ضحكة مكتومة كأنها خرجت للتو من بئر عميق ..أو ضحكة ماجنة فيها الكثير من الدلال و(المرقعة) مما يجعله يصيح عاليًا وقد أثارت أعصابه :
" أحبك يا أبيض "
غير أن سعيد العصار دائمًا ما يتحاشى أن يراه الحاج عبدالرحمن.. فهو لن يستطيع الوقوف أمام غضبة عبدالرحمن الجزار، وربما كانت سمعته السيئة جدًا سببًا آخر لقلة مرتادى العصارة من الإناث فمعظم مرتاديها من الرجال كما تلاحظ, فهو لم يترك أنثى لم يلق على مسامعها بعبارات الغزل الوقحة ناسيًا سنّه وأبناءه الخمسة ومعرضًا نفسه لكل أنواع السباب والإهانة .. استمع كلّ ذلك واستمتع به وأضحك كثيرًا مما أراه وما أسمعه.. كم عرفت من أسرار وكم سمعت من خبايا ولازلت أمين سرِّ الشارع بأكمله.. لم يفضِ أمامي أى أحد بسرِّ وأذعته ..لم أرَ من فضائحهم شيئًا ونشرته.. لم أخن الأمانة أبدًا ...تسألنى عن سبب إفشائى لتلك الأسرار لك الآن ؟
الحقيقة إننى لا أشعر بالسعادة.. فهم يعاملوننى باستخفاف رغم إنى أهم منهم جميعًا , ينظرون إلى بازدراء وأحيانا يتجاهلون وجودى تمامًا ولايلتفتون إلىَّ أبدًا وكأننى غير مرئى ..فأردت أن أنتقم منهم وأفضحهم ..أفضح ضعفهم وعيوبهم ..أعرى غرورهم لكى يعرفوا قيمتى , إن ما يثير غضبى أنهم لا يلتفتون إلى إلا عندما ينقطع التيار الكهربى ..حينها فقط يتذكرون عمود النور!!
