تكنولوجيا
يومٌ ممل"
هكذا قال لنفسه الأستاذ مراد مدرس الفلسفة الذى ناهز الرابعة والخمسين من عمره ..والذى يعمل بإحدي المدارس الثانوية القريبة من منزله, واليوم شديد الحر شديد الوطء مختنق الأنفاس مثل معظم أيام أواخر إبريل, الطلبة هجروا المدرسة تمامًا ولم يعد يعمل أو يشرح شيئا لاحصص أساسية ولا احتياطية, لم يعد به شغف إلا لقراءة الصحيفة ..العادة التى لم يتركها منذ كان طالبًا فى الثانوية.. يسمع زملاءه المدرسين الشباب يتحدثون ويثرثرون فى هرطقة تكنولوجية لايفهمها ولا يستسيغها، فتلفظها أذناه قبل أن تصل إلى عقله ..لم يعتد أبدًا ولن يفهم مطلقًا كيف يستبدل الطالب القراءة من كتابه ليقرأ على ما يسمونه (التابلت) ..أى عبث شيطانى هذا ؟ أى تعليم يرجى من هذا الهُراء؟! وعبثًا حاول زملاؤه والمدير وحتى موجه الفلسفة أن يقنعوه بأن الزمن تغير وأن التابلت - شأنه شأن كل الوسائل التكنولوجية الحديثة - قد أصبح ضرورة حياتية لمواكبة العصر, وما كادوا يفعلون- وليتهم مافعلوا - حتى انفجر فى وجوههم غاضبًا رافضًا مجرد مناقشة الفكرة ثم يتركهم وينصرف إلى أكثر الأماكن قربًا من قلبه فى المدرسة كلها .. إلى المكتبة .. حيث المئات من الكتب التى تكفل له ساعات من المتعة لايفسدها إلا همهمات الأستاذة (نشوى) أمين المكتبة حين تتحدث مع خطيبها على الهاتف لمدة تتجاوز الساعتين..لايدرى ماذا يقولون طوال هذه المدة يوميًا ! ..المضحك فى الأمر أنها تظن نفسها فى محادثة هامسة ولاتدرى أن كل حديثها يضرب أذنيه ويخترق عقله فيوقف تسلسل الأفكار إليه ويعكر صفوها .. أو حينما تتذكر مدرسات المدرسة- فجأة - أن المكتبة من الممكن تحويلها إلى نادى نسائي للمناقشة الحرة حيث تنبرى إحداهن لنقد مدير المدرسة وكيف أنه يجامل هذا على حساب ذاك أو هذه على حساب تلك، ثم تجاوبها الأخرى نقدًا لمسئول لجنة الاحتياط وكيف أنه يضطهدها بلا سبب ويعطيها من الحصص الاحتياطية أكثر من زملاءها خاصة زميلتها (س) لا لشئ إلا أنها- س- تتحدث معه بميوعة ودلال .. ولا تنسي بالطبع أن تزرع الكثير من الغمز واللمز والكلمات ذات الإيحاء لتؤيد رواية مؤداها وجود علاقة مريبة بين مسئول الاحتياط وبين (س) ..وتنسي نفسها وهى تسهب فى ذم زميلتها والطعن فى تصرفاتها وتتعالى حدة صوتها حتى تلكزها من بجوارها لتنبهها أن (س ) حضرت فتنقلب ملامحها بسرعة فائقة وتنهض لاستقبالها والابتسامة تملأ وجهها مع العبارة الخالدة
" كيف أنت ياحبيبتى؟ " بل واحتضانها أيضًا!
وأمام حضورها يضطر الجميع لتغيير مسار الحوار لتنبرى ثالثة بنقد الحكومة لسوء أحوال المعلمين وتدنى العلاوات وتأخر المكافآت, ورابعة تنقد سياسة الدولة وخامسة تلعن جشع التجار وسابعة وثامنة .. ويرتفع الطنين فى أذنيه فيقرر أن يترك هذا (السيرك) لأى مكان آخر .. بالطبع لايجرؤ على أن يطلب منهن المغادرة.. فليرحل هوإذن، أما عن متعة القراءة ..فأصبحت ذكرى..
ولكن أين يذهب ؟ هذه مشكلته اليومية ..هل يجالس زملاءه من كبار المعلمين الناقمين على كل شئ؟.. هل يجلس معهم وهم الذين يرون أنهم أضاعوا العمر سدىً وشتتوا حياتهم فى متاهات الوظيفة التى لاتسمن ولا تغنى من جوع؟ .. لم يكن فى حياته ماديًا وكان يحب عمله بحق، يرى أن المعلم حامل لمشعل النور.. أفلاطون العصر ..وأن واجبه أن يعلم الناس كيف يفكرون ..هو معلم.. نبى.. فهل يوجد نبى يريد مقابلا لرسالته ؟! .. وكلما أراد أن يصارح زملاءه بفكره نظروا له بسخرية وقالوا :
- إنك تتفلسف فى كل شيء.. ولكننا - أحيانا - نريد منك أن تعيش معنا على أرض الواقع !!
ولأول مرة فى حياته يشعر بالغربة.. يطالبونه أن يكف عن الفلسفة وهو الذى عاش عمره كله يتنفس بها !.. عن أى واقع يتحدثون ؟ إنَّ الفلاسفة هم الذين يغيرون الواقع بل ويصنعونه أيضًا, فكيف يكفُّ عن الفلسفة ..عن الفكر..عن الحياة؟!.. لقد أنفق عمره كله في دراسة الفلسفة باللغة العربية وترجم بعض كتبها بالإنجليزية أيضًا فكيف يستطيع التفكير أو الحياة بدونها؟.. إنها تسليته الوحيدة وأنيسه فى وحدته خاصة وأنه لم يتزوج ويعيش بمفرده... حتى إذا ما استحال الجدل بينهم لمعركة كلامية ترك لهم المجلس كله وانصرف إلى وحدته ..أما لو فكر فى أن يجالس المدرسين الشباب فجلّ حديثهم عن الإنترنت بمواقعه اللامتناهية، عن التليفون المحمول - الذى يرفض شراءه - وعن اللعين المدعو بالتابلت والذى سحب البساط من عشقه الأول.. الكتاب الورقى.. ناهيك بالطبع عما يسمى بالفيس بوك ..وما يدعى بتويتر .. وعشرات الكائنات الشيطانية القادمة من عالم الإنترنت والتكنولوجيا الإلكترونية السخيفة ، والتى تزيد إحساسه بالغربة فيكاد رأسه ينفجر .. وأخيرًا ..اتجه لمكتب المدير بعدما اتخذ قراره.....
*****
مرت خمسة أشهر على هذا اليوم.. يتذكر الأستاذ مراد أنه بعد أن تقدم بطلب إجازة مرضية وتمت الموافقة عليها، عكف فى منزله لا يفعل شيئًا إلا القراءة وتصفح الجرائد التى يشتريها له (صبى) القهوة المجاورة مقابل مبلغًا من المال زيادة على ثمنها .. استيقظ من نومه وأخذ يبحث بشغف على المنضدة المجاورة حتى وجد التابلت الذى اشتراه مؤخرًا !! فتح البريد الإليكتروني ليجد رسالة من صديقه الإنجليزي الذى تعرف عليه عن طريق حسابه على تويتر، يطلب رأيه فى مناقشة كتابه الجديد (قراءات فى فلسفة الرواقيين) وكم استمتع بالحديث معه وتعرف عن طريقه أيضًا بأساتذة جدد لهم نفس الاهتمامات .
اليوم قرر أن ينشأ له حسابًا على فيس بوك ..وكان أول ما طالعه فيديو عن مظاهرة للمعلمين يطالبون فيها بزيادة مرتباتهم ... تفاعل مع المنشور.. ثم بحذر.. لامس كلمة (مشاركة).
