باحث اقتصادي في مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية - استشاري تعليمي في شركة إيجيك ( السعودية )- محاضر في جامعة دمشق
خصخصة القطاعات الحيوية في سورية
خصخصة القطاعات الحيوية، بين زيادة الكفاءة ومحاذير الآثار الجانبية ، تُعدّ مسألة خصخصة القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم من القضايا الجدلية التي تثير نقاشًا واسعًا، خاصة في دول تمر بظروف اقتصادية صعبة مثل سورية. إذ يُنظر إلى الخصخصة أحيانًا كحل لتحسين الكفاءة وتخفيف العبء عن الدولة، بينما يخشى آخرون من آثارها الاجتماعية، خصوصًا على الفئات الأكثر هشاشة. من الناحية الاقتصادية، قد تسهم الخصخصة في تحسين جودة الخدمات من خلال إدخال المنافسة، ما يدفع المؤسسات الخاصة إلى تطوير أدائها واستقطاب كفاءات أعلى. كما يمكن أن تخفف الضغط عن الموازنة العامة، مما يسمح للدولة بتوجيه مواردها نحو مجالات أخرى كالبنية التحتية أو الدعم الاجتماعي. في قطاع الصحة مثلًا، قد تؤدي الاستثمارات الخاصة إلى توفير تقنيات حديثة وخدمات أسرع، وفي التعليم قد تظهر مدارس وجامعات تقدم برامج متطورة تتماشى مع متطلبات سوق العمل. لكن في المقابل، تبرز مخاوف جدية تتعلق بالعدالة الاجتماعية. فالخدمات الصحية والتعليمية ليست مجرد سلع، بل هي حقوق أساسية. وعند خصخصتها بشكل واسع، قد تصبح هذه الخدمات مكلفة، ما يؤدي إلى إقصاء شريحة كبيرة من المجتمع، خصوصًا ذوي الدخل المحدود. في الحالة السورية، حيث تعاني نسبة كبيرة من السكان من تراجع القدرة الشرائية، فإن الاعتماد على القطاع الخاص بشكل كبير قد يزيد من الفجوة بين الطبقات. الفئات الهشة، مثل الأسر ذات الدخل المنخفض والنازحين، ستكون الأكثر تأثرًا. فقد تجد هذه الفئات نفسها غير قادرة على تحمل تكاليف العلاج أو التعليم الجيد، مما يؤدي إلى تدهور أوضاعها الصحية وتراجع فرصها في تحسين وضعها الاقتصادي عبر التعليم. وهذا بدوره قد يعمّق مشكلات الفقر وعدم المساواة على المدى الطويل. لذلك، فإن أي توجه نحو الخصخصة يجب أن يكون مدروسًا ومتوازنًا. يمكن اعتماد نماذج تشاركية بين القطاعين العام والخاص، مع وضع ضوابط صارمة تضمن بقاء الخدمات الأساسية متاحة للجميع بأسعار معقولة. كما ينبغي تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لضمان حماية الفئات الأكثر ضعفًا. في النهاية، لا تكمن المشكلة في الخصخصة بحد ذاتها، بل في كيفية تطبيقها. فإذا أُديرت بشكل عادل وشفاف، قد تكون فرصة للإصلاح، أما إذا أُهملت أبعادها الاجتماعية، فقد تؤدي إلى نتائج عكسية تمس استقرار المجتمع الذي يعاني منذ سنوات. ( المواطن حق مهم وواجب أهم)
