البحث عن أجوبة.
سُئلتُ اليوم عن ماهية العاطفة وعلى خلاف طبعي لم أخجل ولم أتردد وربما أجبت السؤال قبل ان ينتهي صاحبه من طرحه وبنبرة حادة تنم عن تأكيد؛ العاطفة وهم! كنت أظن بإجابتي تلك انهيت النقاش قبل أن يبدأ ولكن لم يكتفي الطرف الآخر من الاسئله، سألني عن السبب الذي جعلني ارى العاطفه وهم وكما وصفها بإنها شيءٌ رقيق لا ينبغي علي وصفها بالوهم
ولا اعلم لما كل هذا التحامل على الوهم؛ أليس هو ايضًا بطبعه مفردة من مفردات المشاعر كما هو حال العاطفة، وله الحق بإن نشعر به، ونسمح له بإن يؤذينا، ونؤمن فيه اليوم ونلحد به غدًا كما هو الحال في جميع مفردات المشاعر.
أليس الوهم يحمل معنى واضحًا بغض النظر عن مسماه، لا يوجد مفردة تندرج تحت معنى الوهم وتقوم بخداعك، بل جميع المفاهيم التي تحمل نفس المعنى تكون مطابقه لمسماها، بل فيها من الوضوح ما ليس في غيرها، هو وهم ويخبرك بإنه سوف يوهمك وهو كذب وخداع ويخبرك بإنه سوف يقوم بخداعك ويطلب منك ألا تصدقه، لم أرى الوهم بالوهم نفسه، ولا الكذب بالكذب نفسه، بل رأيت الوهم بالعاطفه، رأيت الوهم بالرقة، رأيت الوهم بالصدق، وما عرفت ماهية الوهم إلا من العاطفه.
لم أجيبه بتلك الإجابة خوفًا من احكام أنا بغنى عنها، لكن أجبته بإن العاطفه وهم لا ينبغي على العاقل تصديقها، والنقص هنا ليس بمفردة الوهم بل النقص في مفردة العاطفه نفسها، حاشا للوهم أن يكون فيه نقص!
نظر السائل باستغراب ثم أكملت إجابتي دفاعًا عن الوهم، بإن ما يجعلني أفصل بين الشخص العاقل من غيره هو تصديقه للعاطفة واخواتها وأبناء عمومتها، بل هو جاهل ابن جاهل من ما زال يستبشر في العاطفة خيرًا، استوقفني السائل عن سبب تغير نظرتي قائلاً "ماكنتِ كذا" رددت عليه مازحه بإنه هو أيضًا بدوره ماكان "كذا" ومن ثم قمت بطرح عليه السؤال ذاته؛ أجابني بإن الأصل في المشاعر هو الإيمان بالعاطفة وما غير ذلك ليس قناعة شخصية بل هو تشوه للمفاهيم، ولا يعلم شيئًا سوى انني تغيرت كثيراً.
استوقفته بإنني تذكرت ما قاله أنسي الحاج: "لا شيء في الداخل غير الرقة، الخارج هو الذي شوهني"
وأكملت خارجة عن النص بإنني اعتقد أنني وصلت لعمر ينبغي علي التوقف عن جعل الخارج والظروف والحياة شماعه لما أمر وأشعر به، وإنني ايضًا لا اعلم ما الذي دفع أنسي الحاج لقول ذلك وانا في الحقيقة أيضاً لا اعلم ماهي أسبابي التي تجعلني أؤمن بما قاله، حيث أنني لم يكن لدي صولات وجولات كفاية في العاطفة لأحكم عليها هذا الحكم القاسي، ولكن بالتأكيد هذا ليس تشوه للمفاهيم، بل هو ادراك للمفاهيم، وإدراك لحقيقة الوهم على وجه الخصوص، وفي الغالب أظن أن الوهم هو وجه آخر للنضج، قابلني السائل بوجه عليه علامات ذهول وتعجب ومن ثم أكملت متسائلة غير مبالية: هل الوهم هو النضج الذي كان يشغل عقولنا في صغرنا؟ عندما كانوا يقولون فُلان ناضج او فلان عقله سابق عمره ، هل الحقيقة بإن فُلان كان يتآكل من الوهم الذي هو وجه من وجوه النضج؟ هل يصبح الوهم في نهاية المطاف هو النضج؟
ولم نجد اجابة كلانا.
