إشكالية الخصوصية وحماية البيانات في البحوث القانونية
مداخلة ملتقى بعنوان:
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
إشكالية الخصوصية وحماية البيانات في البحوث القانونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
الملخص
أفرز التوسع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل البحث العلمي القانوني إشكالات جديدة تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات، خصوصًا أن البحوث القانونية تتعامل في كثير من الأحيان مع أحكام قضائية، وملفات نزاع، ومعطيات شخصية، ووثائق مهنية أو إدارية قد تتضمن بيانات حساسة أو قابلة لإعادة التعرّف على أصحابها. وتزداد خطورة هذه الإشكالية مع صعود الأدوات التوليدية، لأن معالجة البيانات فيها لا تقف عند مجرد التخزين أو النقل، بل قد تشمل التدريب، والتحليل، والتلخيص، وإعادة الصياغة، واستخراج الأنماط، وربما إعادة إنتاج معلومات شخصية ضمن المخرجات. وتهدف هذه المداخلة إلى تحليل إشكالية الخصوصية وحماية البيانات في البحوث القانونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وبيان أبرز المخاطر التي تطرحها، وأثرها في مشروعية البحث ومصداقيته، مع اقتراح ضوابط للاستخدام الرشيد. وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي. وتخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم البحث القانوني، لكنه لا يكون مشروعًا أو أخلاقيًا إلا إذا ظل خاضعًا للشفافية، والإشراف البشري، وتقليل البيانات، والتحقق من المصدر، واحترام القواعد القانونية الوطنية والدولية لحماية المعطيات الشخصية.
الكلمات المفتاحية: الخصوصية، حماية البيانات، الذكاء الاصطناعي، البحث العلمي القانوني، المعطيات ذات الطابع الشخصي، الشفافية.
مقدمة
لم يعد الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني مجرد أداة للبحث السريع في النصوص أو لترتيب المراجع، بل أصبح جزءًا من بنية العمل البحثي نفسه، من خلال التلخيص الآلي، والتحليل الدلالي، وتصنيف الأحكام، وبناء المراجعات الأولية، واقتراح الصياغات. غير أن هذه الوظائف تطرح سؤالًا قانونيًا وأخلاقيًا بالغ الحساسية: ماذا يحدث لخصوصية الأفراد وبياناتهم حين تُغذّى بها الأدوات الذكية أو تُعالج عبرها الأبحاث القانونية؟ وتنبع خصوصية الإشكال من أن البحث القانوني يتصل كثيرًا بوقائع أشخاص، ومراكز قانونية، وسجلات قضائية، وبيانات قد لا تكون معدّة أصلًا لإعادة المعالجة عبر أنظمة ذكية. وقد شددت اليونسكو في توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على أن الخصوصية وحوكمة البيانات والإشراف البشري من المبادئ المركزية لأي استخدام مشروع ومسؤول للذكاء الاصطناعي.
وتتجلى أهمية الموضوع أيضًا في أن مسألة حماية البيانات لم تعد فرعًا هامشيًا في التنظيم القانوني، بل أصبحت مكوّنًا أساسيًا من دولة القانون في العصر الرقمي. فمجلس أوروبا يقرر في اتفاقية 108 أن حماية الأفراد تجاه المعالجة الآلية للبيانات الشخصية تمثل التزامًا قانونيًا مرتبطًا باحترام الحقوق الأساسية، كما أن الرأي 28/2024 الصادر عن مجلس حماية البيانات الأوروبي أوضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي المدربة على بيانات شخصية لا يمكن اعتبارها مجهولة الهوية في جميع الحالات، وأن تقدير ذلك يظل مسألة تُفحص حالة بحالة. وفي الجزائر، أقرّ القانون رقم 18-07 إطارًا تشريعيًا لحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، بما يؤكد أن البيئة القانونية الوطنية نفسها تعترف بحساسية هذا الموضوع.
وعليه، تتمثل إشكالية هذه المداخلة في السؤال الآتي: إلى أي مدى يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في البحوث القانونية من دون الإخلال بالخصوصية وحماية البيانات الشخصية؟ ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة: ما المقصود بالخصوصية وحماية البيانات في البيئة البحثية القانونية؟ ما أبرز المخاطر التي يثيرها الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن التوفيق بين متطلبات التطوير البحثي وضمانات الحماية القانونية والأخلاقية للبيانات؟
أولًا: الإطار المفاهيمي للخصوصية وحماية البيانات في البحث القانوني
يقصد بالخصوصية، في معناها القانوني العام، حماية المجال الشخصي للفرد من التدخل غير المشروع، بينما يقصد بحماية البيانات وضع القواعد التي تنظّم جمع المعطيات الشخصية ومعالجتها وتخزينها واستخدامها والإفصاح عنها. وتُعد اتفاقية 108 أول صك دولي ملزم قانونًا في ميدان حماية البيانات، وقد أوجبت على الدول اتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لضمان احترام الحقوق الأساسية للأشخاص عند معالجة بياناتهم. كما تؤكد توصية اليونسكو أن حماية الخصوصية والبيانات ليست مسألة تقنية فقط، بل مسألة حقوقية وأخلاقية تمس الكرامة الإنسانية مباشرة.
وفي البحث العلمي القانوني، تكتسب هذه المفاهيم طابعًا خاصًا، لأن المعالجة لا تتصل فقط ببيانات إدارية عادية، بل قد تشمل وقائع دعاوى، وأحكامًا تتضمن أسماء أو أوصافًا، وملفات قضايا، وشهادات، وعقودًا، ووثائق عمل، وآراء قانونية، وسيرًا إجرائية، وبيانات وصفية مرتبطة بأشخاص طبيعيين. ومن ثم فإن الباحث القانوني قد يتحول، من حيث الواقع، إلى “فاعل معالجة” أو على الأقل إلى طرف يتعامل مع معطيات مشمولة بالحماية القانونية. ولهذا السبب بالذات، يصبح إدخال هذه المواد في أدوات ذكاء اصطناعي خارجية أو غير مضبوطة قانونيًا مصدرًا لمخاطر حقيقية.
ثانيًا: لماذا يثير الذكاء الاصطناعي خطرًا خاصًا على الخصوصية في البحوث القانونية؟
الخطر لا يكمن فقط في أن الذكاء الاصطناعي “يستخدم البيانات”، بل في طبيعة المعالجة نفسها. فالأدوات الذكية قد تقوم باستخراج الأنماط، وتلخيص الملفات، وربط الوقائع، وإعادة الصياغة، وتوليد مخرجات جديدة من المدخلات، وهو ما يعني أن البيانات الشخصية قد تنتقل من مجرد مادة أولية إلى عنصر فاعل في إنتاج المعرفة. والرأي 28/2024 لمجلس حماية البيانات الأوروبي شدد على أن تطوير واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي قد ينطويان على معالجة لبيانات شخصية، وأن مسألة اعتبار النموذج أو المخرجات “مجهولة” لا يمكن افتراضها تلقائيًا.
ويزداد الخطر في البحوث القانونية لأن كثيرًا من المواد المدروسة تكون “شبه معروفة” أو قابلة لإعادة التعرّف على أصحابها حتى بعد حذف الاسم الصريح، كالإشارة إلى الوقائع الخاصة، أو المنصب، أو المنطقة، أو التسلسل الزمني للقضية. ولهذا فإن تقنيات إخفاء الهوية التقليدية قد لا تكون كافية دائمًا حين تدخل البيانات في بيئة نماذج قادرة على الربط والاستنتاج. وقد نبّه مجلس حماية البيانات الأوروبي إلى أهمية التمييز بين إخفاء الهوية anonymisation والتغفيل pseudonymisation، لأن الثاني لا يخرج البيانات بالضرورة من نطاق الحماية القانونية.
كما أن استخدام الباحث القانوني للأدوات التوليدية قد يخلق خطرًا آخر يتمثل في “الإفشاء غير المقصود”؛ أي إدخال وثائق أو وقائع أو معطيات في منصة خارجية لا يعرف الباحث بدقة كيف ستُخزن أو تُستخدم أو ما إذا كانت ستدخل في تحسين النموذج أو التدريب اللاحق. ولهذا السبب نشرت جهات أوروبية مختصة بحماية البيانات إرشادات خاصة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي تؤكد ضرورة تقوية حماية البيانات في البيئات المتغيرة رقميًا، وتنبّه إلى وجوب الحذر عند استعمال هذه الأدوات مع البيانات الشخصية أو المهنية الحساسة.
ثالثًا: صور المساس بالخصوصية وحماية البيانات في البحث القانوني المدعوم بالذكاء الاصطناعي
أولى هذه الصور هي إدخال معطيات شخصية أو قضائية خام في أدوات ذكاء اصطناعي عامة. وهذه الصورة قد تبدو بسيطة من الناحية العملية، لكنها أخطرها قانونيًا، لأنها قد تنقل البيانات من بيئة بحثية داخلية مضبوطة إلى بيئة خارجية لا يملك الباحث السيطرة الكاملة عليها. ويصبح الخطر أشد إذا كانت البيانات متعلقة بقُصّر، أو بضحايا، أو بوقائع صحية، أو ببيانات جنائية أو أسرية أو مهنية حساسة. وقد أبرزت دراسات عربية حديثة أن الذكاء الاصطناعي وسّع فرص المساس بالخصوصية الرقمية، وأن الخطر لا يتعلق فقط بالهجوم الخارجي، بل أيضًا بسوء الاستخدام أو ضعف الوعي القانوني لدى المستخدمين.
وثاني الصور هي إعادة التعرّف على الأشخاص حتى بعد إخفاء بعض المؤشرات المباشرة. ففي البحوث القانونية قد تكفي مجموعة عناصر جزئية لإعادة التعرف على الشخص، مثل نوع القضية، ومكانها، وتاريخها، ووظيفة الأطراف، وبعض الوقائع الخاصة. وهذا يعني أن الباحث قد يظن أنه حمى الخصوصية بمجرد حذف الاسم، بينما تظل البيانات قابلة لإعادة الربط بواسطة أدوات التحليل الذكية. وهذا بالضبط ما يجعل مبدأ تقليل البيانات minimisation ضروريًا: أي عدم تمرير إلا ما هو لازم فعلًا للبحث، بعد تقييم حقيقي للمخاطر.
وثالث الصور هي التجريف scraping وإعادة الاستخدام الثانوي للبيانات. فبعض نظم الذكاء الاصطناعي تعتمد على تجميع واسع النطاق للمحتوى الرقمي، وهو ما أثار نقاشًا قانونيًا حول مدى مشروعية إعادة استخدام البيانات الشخصية في تطوير النماذج. وقد أشار مجلس حماية البيانات الأوروبي في رأيه 28/2024 إلى أن قضايا anonymisation وpseudonymisation وdata scraping في سياق الذكاء الاصطناعي التوليدي تحتاج إلى إرشادات إضافية، ما يعكس حساسية هذه النقطة قانونيًا.
رابعًا: أثر هذه المخاطر في مشروعية ومصداقية البحث العلمي القانوني
إذا تعلقت الخصوصية بحقوق الأشخاص، فإن مصداقية البحث تتعلق بحقوق المعرفة نفسها. فالبحث القانوني الذي يقوم على بيانات جُمعت أو عولجت بصورة غير مشروعة أو غير شفافة يُصبح مهددًا من جهتين: من جهة المشروعية القانونية، ومن جهة المصداقية العلمية. فمن الناحية القانونية، قد يكون الباحث أو المؤسسة قد خالفا قواعد معالجة المعطيات الشخصية. ومن الناحية العلمية، يفقد البحث جزءًا من قوته الأخلاقية والمنهجية إذا لم يكن القارئ واثقًا من أن البيانات استُخدمت بطريقة تحترم القانون والحقوق الأساسية.
كما أن المساس بالخصوصية ينعكس مباشرة على الثقة في البحث القانوني، خاصة إذا كان موضوعه يتصل بالعدالة، أو الحقوق والحريات، أو القضاء، أو الفئات الهشة. فالعلوم القانونية ليست علمًا وصفيًا محضًا، بل حقل معياري يتأسس على احترام الحقوق. ومن ثم فإن انتهاك الخصوصية في البحث القانوني ليس مجرد خلل إجرائي، بل تناقض في صميم الرسالة العلمية ذاتها. وهذا ما يفسر أن اليونسكو تجعل حماية الحقوق والكرامة والبيانات في صلب الإطار الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، لا في هامشه.
خامسًا: الضوابط القانونية والأخلاقية المقترحة
أول هذه الضوابط هو عدم إدخال البيانات الشخصية أو القضائية الحساسة في أدوات خارجية عامة إلا بعد تقييم قانوني واضح، ومع وجود أساس مشروع للمعالجة، وضمانات كافية للحماية. وثانيها هو تقليل البيانات؛ أي تمرير أقل قدر ممكن من المعلومات، والاكتفاء بما هو لازم للغرض البحثي فقط. وثالثها هو إخفاء الهوية الحقيقي لا الشكلي، مع إدراك أن حذف الاسم وحده قد لا يكفي في البيئة الذكية. ورابعها هو الشفافية والإفصاح عن دور الذكاء الاصطناعي في البحث، كلما كان لهذا الدور أثر معتبر في جمع البيانات أو تحليلها أو تنظيمها. وخامسها هو الإشراف البشري، وهو مبدأ شددت عليه اليونسكو بوضوح ضمن إطارها الأخلاقي العالمي للذكاء الاصطناعي.
وعلى المستوى الوطني، يظل القانون رقم 18-07 في الجزائر نقطة مرجعية أساسية في مجال حماية الأشخاص الطبيعيين عند معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، بما يفترض من الباحثين القانونيين ومؤسساتهم الجامعية استحضار هذا الإطار عند بناء الدراسات أو استخدام الأدوات الذكية. كما أن النقاش الأكاديمي الجزائري الحديث بدأ يركز أكثر على التحديات القانونية لحماية البيانات الشخصية في سياق الذكاء الاصطناعي، وهو توجه مهم ينبغي تعزيزه داخل كليات الحقوق ومخابر البحث.
خاتمة
يتضح أن إشكالية الخصوصية وحماية البيانات في البحوث القانونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليست مسألة تقنية فرعية، بل قضية قانونية وأخلاقية ومنهجية تمس جوهر البحث العلمي القانوني. فالذكاء الاصطناعي يفتح إمكانات مهمة في التحليل والتنظيم والاسترجاع، لكنه في المقابل يضاعف مخاطر الإفشاء، وإعادة التعرّف، وإعادة الاستخدام غير المشروع، وضعف الشفافية في معالجة البيانات. ومن ثم فإن البحث القانوني الجيد اليوم لا يُقاس فقط بمتانة التحليل أو وفرة المراجع، بل أيضًا بمدى احترامه لخصوصية الأشخاص وحمايته لمعطياتهم. وعليه، فإن التوظيف الرشيد للذكاء الاصطناعي في هذا الحقل يقتضي الجمع بين التطوير البحثي الصارم والامتثال الواعي لقواعد حماية البيانات.
المصادر والمراجع
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، 2021.
مجلس أوروبا، اتفاقية 108 والبروتوكولات الخاصة بحماية البيانات.
مجلس حماية البيانات الأوروبي، الرأي 28/2024 بشأن بعض جوانب حماية البيانات المرتبطة بنماذج الذكاء الاصطناعي، 2024.
القانون رقم 18-07، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 2018.
فلاحي، حق الخصوصية في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مقال علمي، 2025.
منور، التحديات القانونية لحماية البيانات الشخصية في سياق الذكاء الاصطناعي، مقال علمي، 2025.
واجعوط، حماية البيانات الشخصية في ظل الذكاء الاصطناعي، مقال علمي، 2025.
معزوز، مخاطر الذكاء الاصطناعي على الخصوصية الرقمية وآليات حمايتها، مقال علمي، 2
