المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية
المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
تُعدّ المسؤولية المدنية من أهم موضوعات القانون المدني، لأنها تمثل الوسيلة القانونية التي تكفل جبر الضرر وإعادة التوازن بين المصالح الخاصة عند الإخلال بالالتزامات. وتتخذ هذه المسؤولية صورتين أساسيتين في التشريع الجزائري، هما المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية. فالمسؤولية العقدية تقوم عند إخلال أحد المتعاقدين بالتزام ناشئ عن عقد صحيح ونافذ، في حين تقوم المسؤولية التقصيرية عند الإخلال بواجب قانوني عام يفرض على كل شخص عدم الإضرار بالغير. وتبرز أهمية التمييز بين هذين النوعين في الآثار العملية التي تترتب عليهما، خاصة من حيث شروط قيام المسؤولية، وعبء الإثبات، ونطاق التعويض، وإمكانية الإعفاء أو التخفيف منها، ومدى جواز التمسك بأحد النظامين دون الآخر. ومن هنا تثار إشكالية جوهرية مفادها: ما الأساس القانوني لكل من المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية في القانون الجزائري، وما أوجه الاختلاف والاتفاق بينهما، وما النتائج العملية المترتبة على هذا التمييز؟
المتن
تقوم المسؤولية العقدية على وجود عقد صحيح يجمع بين طرفين، بحيث يترتب في ذمة أحدهما التزام معين، فإذا أخلّ بهذا الالتزام، سواء بعدم التنفيذ أو بالتأخر فيه، وترتب عن ذلك ضرر للطرف الآخر، قامت مسؤوليته العقدية. ومن ثم فإن هذه المسؤولية لا يمكن تصورها إلا إذا وجدت رابطة عقدية سابقة بين المضرور والمسؤول. وقد نظم المشرع الجزائري هذا النوع من المسؤولية ضمن أحكام تنفيذ الالتزام بطريق التعويض، إذ تنص المادة 176 من القانون المدني على أنه إذا استحال على المدين تنفيذ الالتزام عينًا، حُكم عليه بتعويض الضرر الناجم عن عدم التنفيذ، وكذلك إذا تأخر في التنفيذ، ما لم يثبت أن ذلك يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه. كما تنص المادة 182 على أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب متى كان ذلك نتيجة طبيعية لعدم الوفاء أو التأخر في الوفاء بالالتزام.
وتقتضي المسؤولية العقدية توافر عدة شروط، أولها وجود عقد صحيح وساري المفعول، وثانيها وقوع إخلال بالتزام ناشئ عن هذا العقد، وثالثها تحقق ضرر أصاب الدائن، وأخيرًا قيام علاقة سببية بين الإخلال والضرر. والأصل في الالتزام العقدي هو التنفيذ العيني، لأن الغاية الأولى من العقد هي تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، غير أنه إذا أصبح التنفيذ العيني مستحيلًا أو غير مجدٍ، انتقل الجزاء إلى التنفيذ بطريق التعويض. كما قد يترتب على الإخلال بالعقد في بعض الحالات الفسخ مع التعويض، خاصة في العقود الملزمة للجانبين، وفق ما تقرره المادة 119 من القانون المدني. ويظهر سلطان الإرادة بوضوح في هذا المجال، إذ يجوز للمتعاقدين الاتفاق مسبقًا على تقدير التعويض من خلال الشرط الجزائي، مع احتفاظ القاضي بسلطة الرقابة على هذا الاتفاق وفقًا للمواد 183 و184 من القانون المدني. ومع ذلك، فإن المشرع وضع حدودًا لهذه الحرية، فمنع الإعفاء من المسؤولية في حالات الغش أو الخطأ الجسيم أو العمل الإجرامي.
أما المسؤولية التقصيرية، فهي تختلف عن المسؤولية العقدية من حيث المصدر والأساس. فمصدرها ليس العقد، وإنما القانون، لأنها تقوم على الإخلال بالتزام عام مفروض على جميع الأشخاص، يتمثل في واجب عدم الإضرار بالغير. فإذا ارتكب شخص فعلًا خاطئًا سبب ضررًا لغيره، التزم بتعويض هذا الضرر حتى ولو لم تكن هناك علاقة تعاقدية بين الطرفين. وقد نظم المشرع الجزائري هذا النوع من المسؤولية في إطار ما يسمى بالفعل المستحق للتعويض، حيث نصت المادة 124 من القانون المدني على أن كل فعل يرتكبه الشخص بخطئه ويسبب ضررًا للغير يلزم من كان سببًا في حدوثه بالتعويض. ويُفهم من هذا النص أن المسؤولية التقصيرية تقوم على ثلاثة أركان أساسية هي الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية بينهما.
فالخطأ في المسؤولية التقصيرية يتمثل في الانحراف عن السلوك المألوف للشخص العادي، سواء كان هذا الانحراف عمديًا أو غير عمدي، إيجابيًا أو سلبيًا، متى أدى إلى إلحاق الضرر بالغير. ولا يكفي الخطأ وحده لقيام المسؤولية، بل يجب أن يثبت المضرور وقوع ضرر شخصي ومباشر، وأن يكون هذا الضرر نتيجة لذلك الخطأ. كما تدخل ضمن صور الخطأ التقصيري حالات التعسف في استعمال الحق، التي نظمها المشرع الجزائري في المادة 124 مكرر، باعتبارها صورة من صور الانحراف في استعمال الحق على نحو يجاوز الغاية المشروعة منه. والأثر الأصلي للمسؤولية التقصيرية هو التعويض، الذي يهدف إلى جبر الضرر لا إلى معاقبة المسؤول، لذلك يُقدّر التعويض فيها بحسب حجم الضرر الفعلي الذي أصاب المضرور، دون ارتباط بوجود عقد أو بمدى توقع الضرر وقت نشوء الالتزام.
ومن خلال المقارنة بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية، يتبين أن أول أوجه الاختلاف بينهما يكمن في المصدر. فالمسؤولية العقدية تستند إلى عقد صحيح يربط الطرفين وينشئ التزامات خاصة بينهما، في حين أن المسؤولية التقصيرية تستند إلى القانون باعتباره مصدر الالتزام بالتعويض عند الإضرار بالغير. ويترتب على هذا الاختلاف تباين واضح في شروط الإثبات، إذ يلتزم الدائن في المسؤولية العقدية بإثبات وجود العقد والإخلال بالالتزام والضرر، بينما يكون على المضرور في المسؤولية التقصيرية إثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية، وهي مهمة قد تكون أشد صعوبة في كثير من الحالات لعدم وجود رابطة قانونية مسبقة تحدد مضمون الالتزام.
ويظهر التمييز أيضًا في نطاق التعويض. ففي المسؤولية العقدية، إذا لم يوجد غش أو خطأ جسيم، فإن التعويض يقتصر على الضرر المتوقع عادة وقت التعاقد، وفق ما تقرره المادة 182 من القانون المدني، لأن المتعاقدين يكونان قد حددا مسبقًا نطاق التزاماتهما وآثار الإخلال بها. أما في المسؤولية التقصيرية، فإن التعويض لا يقف عند الضرر المتوقع، بل يشمل كل ضرر مباشر ثبت أنه نتيجة للفعل الضار، الأمر الذي يجعل نطاق الحماية أوسع في كثير من الأحيان. كما تختلف المسؤوليتان من حيث إمكانية التعديل الاتفاقي، إذ يجوز في المسؤولية العقدية للمتعاقدين الاتفاق على تشديد المسؤولية أو تخفيفها أو تحديد التعويض مسبقًا في حدود ما يسمح به القانون، بينما لا تخضع المسؤولية التقصيرية في الأصل لإرادة الأطراف، لأنها تقوم على قواعد قانونية آمرة هدفها حماية الغير وصون النظام العام.
وللتمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية آثار عملية مهمة على مستوى الدعوى القضائية. فالتكييف القانوني الصحيح للنزاع يحدد النصوص الواجبة التطبيق، وطبيعة الدفوع الممكن التمسك بها، وعبء الإثبات، ونطاق التعويض المستحق. فإذا كان الضرر ناشئًا عن عدم تنفيذ عقد أو التأخر في تنفيذه، فإن الأصل هو الرجوع إلى أحكام المسؤولية العقدية، أما إذا وقع الضرر خارج نطاق الالتزام التعاقدي أو لم توجد علاقة عقدية أصلًا، فإن المرجع يكون إلى أحكام المسؤولية التقصيرية. وقد يحاول المضرور أحيانًا الاستفادة من النظام الذي يحقق له حماية أكبر، غير أن الاتجاه الغالب فقهيًا وقضائيًا يقوم على عدم جواز الخلط بين النظامين متى كان مصدر الالتزام واضحًا ومحددًا. لذلك يظل التمييز بينهما قائمًا في القانون الجزائري، ليس فقط من الناحية النظرية، بل أيضًا من حيث التطبيق العملي.
ويتضح من تنظيم القانون المدني الجزائري أن المشرع لم يتجه إلى توحيد المسؤولية المدنية في نظام واحد، وإنما أبقى على الازدواجية بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية. فقد نظم الأولى ضمن أحكام آثار الالتزام والتنفيذ بطريق التعويض، خاصة في المواد من 176 إلى 184، بينما نظم الثانية ضمن أحكام العمل المستحق للتعويض ابتداء من المادة 124 وما بعدها. وهذا يدل على أن المشرع الجزائري يرى أن لكل نوع مجالًا خاصًا وأحكامًا مستقلة، رغم ما يجمعهما من هدف مشترك يتمثل في جبر الضرر وتعويض المضرور.
خاتمة
يتضح في النهاية أن المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية تمثلان صورتين أساسيتين للمسؤولية المدنية في القانون الجزائري، وأن التمييز بينهما ما زال قائمًا بوضوح على مستوى النصوص والأحكام والآثار. فالمسؤولية العقدية تقوم على إخلال أحد المتعاقدين بالتزام ناشئ عن عقد صحيح، بينما تقوم المسؤولية التقصيرية على الإخلال بواجب قانوني عام يفرض عدم الإضرار بالغير. ويترتب على هذا التمييز اختلاف في المصدر، والشروط، وعبء الإثبات، ومدى التعويض، وإمكانية الاتفاق على التخفيف أو التشديد. ورغم وجود تقارب بين النظامين في الغاية النهائية المتمثلة في جبر الضرر، فإن لكل منهما خصوصيته القانونية التي تجعل حسن التكييف أمرًا ضروريًا في تحديد القواعد الواجبة التطبيق وضبط المنازعات المدنية. ومن ثم فإن دراسة هذا الموضوع تظل ذات أهمية علمية وعملية بالغة في فهم أحكام القانون المدني الجزائري وتطبيقها تطبيقًا سليمًا.
المراجع
الأمر رقم 75-58، المتضمن القانون المدني، المعدل والمتمم، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، خاصة المواد: 119، 124، 124 مكرر، 176، 182، 183، 184.
حمو زهرة، المسؤولية العقدية في التشريع الجزائري، مذكرة ماستر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم، 2022.
عرفي الحاجة الزهرة، آثار المسؤولية العقدية في التشريع الجزائري، مذكرة ماستر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم، 2021.
عبدو أحمد، دروس في القانون المدني، الجزء الثاني: النظرية العامة للالتزام، المصادر غير الإرادية للالتزام، الفعل المستحق للتعويض (المسؤولية التقصيرية)، مطبوعة جامعية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة البليدة 2، السنة الجامعية 2021/2022.
بن صغير شهرزاد، محاضرات مقياس المسؤولية المدنية التقصيرية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة سطيف 2.
بناسي شوقي، المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية: تمييز نحو زوال؟، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية، جامعة الجزائر 1 بن يوسف بن خدة، 22-03-2020.
ضو خالد، معروف فاطمة، أركان المسؤولية العقدية وشروط قيامها، دراسة تأصيلية، مجلة البيبان للدراسات القانونية والسياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج، 15-06-2023.
