مقال: الحماية القانونية للحق
مقال: الحماية القانونية للحق في التشريع الجزائري
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
تُعدّ الحماية القانونية للحق من المسائل الجوهرية في النظرية العامة للحق، لأن قيمة الحق لا تظهر في مجرد الاعتراف به نظريًا، وإنما في تمكين صاحبه من التمسك به والدفاع عنه واقتضائه عند الاعتداء عليه أو التهديد به. وتبرز أهمية الموضوع في كونه يتصل بمختلف فروع القانون، إذ تتوزع حماية الحق بين ضمانات دستورية وموضوعية وقضائية وتنفيذية، بما يكرس دولة القانون ويضمن الأمن القانوني والقضائي. وتتمثل إشكالية هذا المقال في بيان مضمون الحماية القانونية للحق في التشريع الجزائري، وبيان أسسها وصورها وآلياتها، ومدى كفاية الوسائل التي قررها المشرع لضمان احترام الحقوق وصيانتها. ويهدف المقال إلى إبراز مفهوم الحماية القانونية للحق، وبيان أساسها الدستوري والتشريعي، ثم تحليل أهم صورها الموضوعية والقضائية والتنفيذية. واعتمد المقال المنهج الوصفي التحليلي، بالاستناد إلى الدستور الجزائري لسنة 2020، والقانون المدني، وقانون الإجراءات المدنية والإدارية، والقانون العضوي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، مع الاستئناس ببعض الدراسات الجامعية الجزائرية الحديثة. وقد كرس الدستور الجزائري مبدأ حماية الحقوق والحريات، وربطها بضمانات قضائية ومؤسساتية، كما أوجد التشريع العادي آليات لحماية الحق عن طريق الدعوى، والإثبات، والتنفيذ، ومنع التعسف في استعمال الحق.
متن
يقصد بالحماية القانونية للحق مجموع الوسائل التي يقررها القانون لصيانة الحق من الاعتداء أو التهديد، وتمكين صاحبه من إظهاره وإثباته والدفاع عنه والحصول على جزاء قانوني عند المساس به. ومن ثم فإن الحماية القانونية لا تبدأ عند وقوع النزاع فقط، بل تبدأ من لحظة اعتراف المشرع بالحق وتحديد مضمونه ونطاقه وأصحابه وحدود ممارسته. فالدستور الجزائري نص على جملة من الحقوق والحريات، وأكد أن الدولة تضمن حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية، كما أقر ضمانات قضائية مهمة مثل الحق في الدفاع، والمساعدة القضائية، وحماية المتقاضي من التعسف والانحراف، والتعويض عن الخطأ القضائي، وهو ما يدل على أن حماية الحق في الجزائر تنطلق أولًا من أساس دستوري صريح.
وتتجلى الحماية الموضوعية للحق في النصوص التي تقرر وجوده وتحدد مضمونه وتمنع الاعتداء عليه. فالقانون المدني مثلًا ينظم الحقوق الشخصية والعينية، ويضع قواعد المسؤولية المدنية، ويقرر التعويض عن الضرر، كما ينظم بعض الوسائل التي تحمي المراكز القانونية والمالية. ومن أهم صور هذه الحماية منع التعسف في استعمال الحق، لأن القانون لا يحمي مجرد التمسك الشكلي بالحق، بل يحمي الاستعمال المشروع له. وقد أبرزت الدراسات الجزائرية أن المادة 124 مكرر من القانون المدني كرّست نظرية التعسف في استعمال الحق، بما يجعل من يستعمل حقه بقصد الإضرار بالغير أو على نحو غير مشروع مسؤولًا عن الضرر الناتج عن هذا التعسف. ويفيد ذلك أن المشرع لا يحمي الحق في ذاته فقط، بل يحمي أيضًا التوازن بين الحقوق ومصالح الغير.
ولا تكتمل الحماية القانونية للحق إلا من خلال الحماية القضائية، لأن الدعوى القضائية تمثل الوسيلة الأصلية التي ينتقل بها الحق من دائرة الادعاء إلى دائرة الحماية الملزمة. فبواسطة الدعوى يستطيع صاحب الحق عرض نزاعه على القضاء للمطالبة بإثبات حقه أو رد الاعتداء عليه أو التعويض عنه. ولهذا تعد الدعوى القضائية من أهم الوسائل الإجرائية لحماية الحق في التشريع الجزائري. كما أن قواعد الإثبات تمثل بدورها عنصرًا أساسيًا في هذه الحماية، لأن الحق لا يكفي ادعاؤه، بل يجب إقامة الدليل عليه وفق ما يقرره القانون. وتضاف إلى ذلك الدفوع الإجرائية والموضوعية التي تسهم في حماية المراكز القانونية وتحقيق التوازن بين الأطراف، فضلًا عن وسائل الطعن التي تمكن من مراجعة الأحكام وتصحيح ما قد يشوبها من خطأ. وقد عزز المشرع هذه الحماية بآلية الدفع بعدم الدستورية، التي تسمح لأحد أطراف النزاع بإثارة عدم دستورية حكم تشريعي إذا كان يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، وقد نظمها القانون العضوي رقم 18-16.
وتظهر فعالية الحماية القانونية للحق بصورة أوضح في مرحلة التنفيذ، لأن الحكم القضائي لا يحقق الغاية المرجوة منه ما لم يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي. ومن هنا تأتي أهمية التنفيذ الجبري بوصفه الضمان العملي الأخير لاقتضاء الحق، سواء كان التنفيذ عينيًا متى أمكن ذلك، أو بطريق الحجز على أموال المدين واستيفاء الحق منها. كما تشمل الحماية القانونية تدابير تحفظية ووقائية ترمي إلى منع ضياع الحق قبل الفصل النهائي في النزاع، مثل الحجز التحفظي، والأوامر الاستعجالية، ووقف الاعتداء، وغيرها من الإجراءات التي تكفل صيانة محل الحق أو المحافظة على الأدلة أو الحيلولة دون تفاقم الضرر. وتكشف هذه الصور عن أن الحماية القانونية للحق ليست علاجية فقط، بل وقائية أيضًا، لأن القانون يتدخل أحيانًا قبل اكتمال الضرر منعًا لتفاقمه أو حفاظًا على مراكز قانونية جديرة بالحماية.
كما أن الاعتداء على الحق قد يرتب جزاءات مدنية أو جزائية بحسب طبيعة الحق المعتدى عليه والمصلحة التي يرمي القانون إلى حمايتها. فمن الناحية المدنية، يترتب على الاعتداء على الحق غالبًا التعويض أو إعادة الحال إلى ما كانت عليه أو وقف الأعمال المخالفة أو عدم نفاذ بعض التصرفات الضارة. أما من الناحية الجزائية، فقد يرى المشرع أن بعض الاعتداءات على الحقوق تمس النظام العام أو تهدد مصالح اجتماعية عليا، فيقرر لها حماية جزائية خاصة، كما هو الحال في بعض صور الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة أو الملكية أو بعض الحقوق المعنوية. وهذا التعدد في وسائل الحماية يؤكد أن النظام القانوني الجزائري لا يكتفي بإقرار الحقوق، بل يحيطها بمنظومة متكاملة من الضمانات والجزاءات.
ومن ثم يمكن القول إن الحماية القانونية للحق في التشريع الجزائري تقوم على ترابط بين الحماية الدستورية التي تقرر الحقوق وتضع ضماناتها العامة، والحماية الموضوعية التي تحدد مضمونها وحدودها، والحماية القضائية التي توفر وسائل اقتضائها والدفاع عنها، والحماية التنفيذية التي تحول الحكم إلى أثر عملي ملموس. وكلما كان هذا الترابط أقوى، كانت فعالية الحق أكبر، وكان احترام المشروعية أعمق داخل المجتمع ومؤسسات الدولة. وهذا ما يجعل موضوع الحماية القانونية للحق من الموضوعات المركزية في الدراسات القانونية، لأنه يكشف عن القيمة الحقيقية للحق في الواقع، لا في النصوص المجردة وحدها.
خاتمة
يتبين من خلال هذا المقال أن الحماية القانونية للحق في التشريع الجزائري لا تقوم على وسيلة واحدة، بل على منظومة متكاملة تبدأ بالاعتراف الدستوري والتشريعي بالحق، ثم تمر بمنع التعسف في استعماله، وتمكين صاحبه من اللجوء إلى القضاء لإثباته والدفاع عنه، وتنتهي إلى التنفيذ الجبري والتدابير التحفظية التي تكفل فعاليته في الواقع العملي. كما يظهر أن الحماية القانونية للحق لا تقتصر على رد الاعتداء بعد وقوعه، بل تشمل كذلك الوقاية منه، وأن قيمة الحق في دولة القانون تقاس بمدى إحاطته بآليات قانونية وقضائية فعالة تضمن احترامه وجبر المساس به. وعليه، فإن دراسة الحماية القانونية للحق تبرز بوضوح أن الغاية الحقيقية من القانون ليست فقط تنظيم الحقوق، وإنما أيضًا ضمان صيانتها وجعلها قابلة للنفاذ والاحترام في الحياة العملية.
المصادر والمراجع
دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 82، سنة 2020.
القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، معدل ومتمم.
القانون العضوي رقم 18-16، المحدد لشروط وكيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية.
الأمر رقم 75-58، المتضمن القانون المدني، معدل ومتمم.
الأمر رقم 03-05، المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
بن شويخ، الرشيد، التعسف في استعمال الحق وأثره على المسؤولية المدنية: دراسة في القانون الجزائري مقارنا ببعض التشريعات العربية، مجلة البحوث والدراسات القانونية والسياسية، 2023.
بناسي، شوقي، التعسف في استعمال الحق في ضوء المادة 124 مكرر المستحدثة بموجب القانون 05-10 المعدل للقانون المدني، مجلة جزائرية للعلوم القانونية والسياسية، 2009.
وليد، ميرة، الدعوى القضائية كوسيلة لحماية الضمان العام في ضوء التشريع الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، 2022.
حططاش، عمر، الدفع بعدم القبول في الدعوى بين حماية الحق واستقرار العمل، مجلة الدراسات والبحوث القانونية، 2024.
عميور، فرحات، وخلاف، فاتح، عن عوائق الدفع بعدم الدستورية في ضوء أحكام القانون الجزائري، مجلة أكاديمية للبحث القانوني، 2020.
مهناوي، سارة، الحماية الجنائية للحق في حرمة الحياة الخاصة في التشريع الجزائري، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، 2020.
