القانون رقم 26-02 المتعلق بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية
عنوان المقال: القانون رقم 26-02 المتعلق بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية والتعريف الإلكتروني في التشريع الجزائري
مقدمة
يشكّل القانون رقم 26-02 منعطفًا مهمًا في مسار التحول الرقمي في الجزائر، لأنه نقل التنظيم القانوني من منطق التوقيع والتصديق الإلكترونيين بصورتهما التقليدية إلى إطار أوسع يقوم على مفهوم خدمات الثقة والتعريف الإلكتروني، بما يسمح ببناء بيئة رقمية أكثر أمانًا وفعالية في المعاملات الإلكترونية. وتبرز أهمية هذا الموضوع في اتصاله المباشر بحجية الوثيقة الإلكترونية، وأمن المعاملات، وإثبات الهوية الرقمية، وتنظيم نشاط مزوّدي خدمات الثقة، مع ما يترتب عن ذلك من آثار في الإدارة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية والخدمات العمومية الرقمية. وتتمثل إشكالية المقال في بيان مضمون القانون رقم 26-02، وتحديد أهم المفاهيم التي جاء بها، وبيان نظام خدمات الثقة والتعريف الإلكتروني، مع إبراز آثاره التشريعية وموقعه ضمن البناء القانوني الجزائري الحديث. واعتمد المقال المنهج الوصفي التحليلي بالاستناد إلى مسار هذا النص كما عرضته الهيئات التشريعية الرسمية، وإلى ما أمكن التحقق منه من مضامينه المنشورة حديثًا في مصادر قانونية متداولة، مع الاستئناس بالموقع الذي أحلتني عليه بوصفه مصدرًا مساعدًا لا مرجعًا أصليًا. وقد عرض المجلس الشعبي الوطني المشروع في نوفمبر 2025، ثم ناقشه مجلس الأمة في جانفي 2026، وصودق عليه لاحقًا، كما تشير المصادر المتداولة إلى أنه صدر برقم 26-02 بتاريخ 17 فبراير 2026.
يقوم هذا القانون على فكرة أساسية مفادها أن الثقة في البيئة الرقمية لا تتحقق بمجرد الاعتراف الشكلي بالوسائل الإلكترونية، بل تتطلب منظومة قانونية وتقنية متكاملة تضبط الهوية، والتوقيع، والختم، وختم الوقت، والإرسال المضمون، والتحقق من صحة البيانات، وتحديد مسؤوليات المتدخلين في هذه السلسلة. ولهذا جاء المشروع، بحسب عرض الحكومة أمام المجلس الشعبي الوطني، لتوسيع نطاق خدمات الثقة ليشمل التوقيع الإلكتروني المعتمد، والختم الإلكتروني، وختم الوقت الإلكتروني، والإرسال الإلكتروني المعتمد، وغيرها من الآليات التي تبني الثقة القانونية والتقنية في المعاملات الرقمية. ويظهر من هذا التوجه أن المشرع الجزائري لم يعد يكتفي بتنظيم وسيلة واحدة للإثبات الإلكتروني، بل اتجه إلى إقامة إطار شامل للثقة الرقمية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في القانون 26-02 توسعه الكبير في ضبط المصطلحات. فالمادة الثانية، كما ورد في العرض المستخلص من النص، عرّفت عددًا واسعًا من المفاهيم، منها: التوقيع الإلكتروني، والختم الإلكتروني، وشهاداتهما، وبيانات الإنشاء، وآليات الإنشاء، وإثبات الصحة، وختم الوقت الإلكتروني، وخدمة الإرسال الإلكتروني المضمون، وخدمة الثقة، وخدمة الثقة المعتمدة، والترخيص، والتدقيق، والتعريف الإلكتروني، والهوية، ووسيلة التعريف الإلكتروني، والوثيقة الإلكترونية، والمعاملة الإلكترونية. وهذه الكثافة الاصطلاحية تدل على أن المشرع أراد سدّ الفراغ المفاهيمي الذي كان يثير إشكالات في التطبيق، خاصة عند التمييز بين مجرد التعامل الإلكتروني وبين المعاملة الإلكترونية الموثقة قانونًا.
ويبدو أن القانون قد بنى حجية الثقة الرقمية على مستويين: مستوى الموثوقية، ومستوى الاعتماد. فالمادة 4، بحسب النص المتداول، تشترط في التوقيع الإلكتروني الموثوق والختم الإلكتروني الموثوق أن يكونا مرتبطين بصاحبهما على نحو فريد، وأن يكشفا أي تعديل لاحق في البيانات، وأن يُنشآ باستعمال وسائل تخضع لتحكم صاحبها بدرجة عالية من الثقة. ثم تأتي المادة 5 لتضيف، بالنسبة للتوقيع أو الختم المعتمدين، ضرورة الاستناد إلى شهادة إلكترونية معتمدة وآلية إنشاء معتمدة. ويفهم من ذلك أن المشرع فرّق بين الحد الأدنى اللازم للثقة التقنية والقانونية، وبين مرتبة أعلى من الضمان يترتب عليها أثر أقوى في الإثبات والتعامل.
ومن أهم أحكام القانون كذلك ما يتعلق بالأثر القانوني للتوقيع والختم والإرسال الإلكتروني. فالمادة 7 تقرر، وفق النص المتداول، أن التوقيع الإلكتروني المعتمد يعادل التوقيع المكتوب، كما تقرر المادة 8 قرينة سلامة البيانات المرتبط بها الختم الإلكتروني المعتمد، بينما تنظم المواد 17 إلى 19 خدمة الإرسال الإلكتروني المضمون المعتمد، فتمنحها آثارًا قانونية تتعلق بسلامة البيانات، وتحديد هوية المرسل والمرسل إليه، ودقة تاريخ ووقت الإرسال والاستلام، وعدم تجريدها من الفعالية القانونية لمجرد أنها وردت في شكل إلكتروني. وهذه الأحكام تعكس توجّهًا واضحًا نحو مساواة الوسائل الإلكترونية الموثقة بنظيراتها التقليدية متى استوفت الشروط القانونية والتقنية.
أما من حيث البنية المؤسسية، فإن القانون خصص حيّزًا مهمًا لمزوّدي خدمات الثقة. فالمواد 26 وما بعدها، بحسب العرض المنشور، تضع إطارًا قانونيًا لمزوّدي هذه الخدمات، مع تمييز بين النشاط الحكومي والنشاط الاقتصادي، وربط بعض الأنشطة بالموافقة المسبقة أو الترخيص. كما تشترط المادة 27 توطين المعطيات التي يجمعها مزودو خدمات الثقة على التراب الوطني، مع إمكان نقلها خارج الوطن في الحدود التي يسمح بها التشريع والتنظيم. وتحدد المواد 33 إلى 38 شروط الترخيص وشهادة التأهيل، ومن بينها الصفة القانونية، والقدرة المالية، والخبرة، وانتفاء بعض السوابق، وخضوع منح الترخيص لعملية تدقيق تقييمي. ويكشف هذا التنظيم أن المشرع لا يتعامل مع خدمات الثقة باعتبارها نشاطًا تقنيًا حرًا فقط، بل يعتبرها قطاعًا حساسًا يقتضي رقابة مسبقة ومستمرة.
ويكتمل هذا البناء بفرض التزامات دقيقة على مزودي خدمات الثقة. فالمواد 40 إلى 45، كما ورد في العرض المنشور، تُلزمهم بسرية البيانات، وجمع القدر الضروري منها فقط، وعدم استخدامها خارج الغرض المشروع، والحصول على الموافقة الصريحة عند الاقتضاء، وحفظ بعض البيانات والشهادات وفق الضوابط، والتجاوب مع السلطة المختصة، والاكتتاب في تأمين للمسؤولية المدنية، واتخاذ تدابير عاجلة عند طلبات الإلغاء، مع احترام الشفافية وعدم التمييز. وهذه الالتزامات تبين أن القانون لم يكتفِ بإنشاء سوق أو نشاط جديد، بل أنشأ أيضًا منظومة مسؤولية وثقة ورقابة.
ومن الزاوية التشريعية العامة، يظهر أن القانون 26-02 جاء ضمن موجة تحديث قانوني تهدف إلى مواكبة الرقمنة في الجزائر. فوكالة الأنباء الجزائرية نقلت في ديسمبر 2025 أن المشروع ينسجم مع إرادة إحداث نقلة رقمية، كما أظهرت مناقشات البرلمان أنه نص استراتيجي بالنسبة للتحول الرقمي الوطني. واللافت أن الموضوع المنشور في الموقع الذي زودتني به يشير إلى أن هذا القانون حلّ محل مقاربة أقدم كانت تدور حول التوقيع والتصديق الإلكترونيين فقط، ووسّعها إلى نطاق أشمل يشمل خدمات الثقة والتعريف الإلكتروني، وهو استنتاج يتماشى مع مضمون المشروع كما عرضته الجهات التشريعية الرسمية.
ومن الناحية الأكاديمية، يمكن القول إن القيمة الحقيقية لهذا القانون تتمثل في ثلاثة أمور مترابطة: أولها ضبط المفاهيم الرقمية على نحو أدق، وثانيها إضفاء الحجية القانونية على أدوات الثقة الإلكترونية المعتمدة، وثالثها إنشاء إطار ترخيص ورقابة يربط بين التقنية والقانون والمؤسسات. وهذا يعني أن القانون 26-02 لا ينظم فقط مسألة الإثبات الإلكتروني، بل يؤسس لبنية قانونية أوسع للهوية والمعاملة والثقة في البيئة الرقمية الجزائرية. وهذا استنتاج مدعوم بما عرضته الحكومة والبرلمان من أهداف النص، وبما يظهر من تفاصيل مواده المتداولة حديثًا.
خاتمة
يخلص هذا المقال إلى أن القانون رقم 26-02 يمثل خطوة تشريعية نوعية في مسار تحديث المنظومة القانونية الجزائرية، لأنه أقام إطارًا جديدًا لخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية والتعريف الإلكتروني، وانتقل من التنظيم المحدود للتوقيع والتصديق الإلكترونيين إلى تنظيم أشمل للهوية الرقمية، والتوقيع والختم الإلكترونيين، وختم الوقت، والإرسال الإلكتروني المضمون، ومزودي خدمات الثقة. كما تبين أن هذا القانون يقوم على مبدأ الموثوقية والاعتماد، ويمنح آثارًا قانونية واضحة للأدوات الإلكترونية المعتمدة، مع إحاطة القطاع بنظام ترخيص ورقابة والتزامات مهنية وتقنية دقيقة. ومن ثم فإن أهميته لا تقتصر على المجال التقني، بل تمتد إلى الإثبات، والإدارة الإلكترونية، والخدمات العمومية، والتجارة الإلكترونية، وكل فضاءات التعامل الرقمي في الجزائر.
المصادر والمراجع
أولًا: القوانين
القانون رقم 26-02، المتعلق بالقواعد العامة لخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني. استنادًا إلى ما أعلنته المصادر الرسمية والقطاعية المتاحة، صدر بتاريخ 17 فبراير 2026.
القانون رقم 18-05، المتعلق بالتجارة الإلكترونية. وردت الإحالة إليه في المعالجات الحديثة للموضوع بوصفه جزءًا من المنظومة الرقمية الجزائرية.
القانون رقم 15-04، الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين. وردت الإحالة إليه في المعالجات الحديثة للمقارنة مع الإطار الجديد.
ثانيًا: الوثائق والمواد الرسمية
المجلس الشعبي الوطني، عرض مشروع القانون المحدد للقواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني، نوفمبر 2025.
مجلس الأمة، دراسة نص القانون ومناقشته في جانفي 2026.
وكالة الأنباء الجزائرية، تغطية مناقشة المشروع وأهدافه في ديسمبر 2025.
ثالثًا: مواقع إلكترونية للاستئناس
موقع ناس أدرار، القانون 26-02 ضبط المفاهيم والإجراءات الإلكترونية.
إعداد الباحث: حسوني محمد عبد الغني
