رسالة إلى كل أب في رمضان خاطرة للدكتور عثمان جيلان
ا تدبرهم بدبورك , ولا تكن سببا في شقائهم وتعاستهم , هم بذمتك , انت سبب وجودهم , عندما قررت ان تتزوج وتكمل نصف دينك , كنت تنوي بناء اسرة سعيدة , فتزوجت , وبدأت حياتك انت وحواء , في اسرة صغيرة , ثم جاءت الذرية , وكبرت الاسرة وتوسعت , وكبر الابناء , وازدادت المسؤولية والمتطلبات , وبدأت خصلات الشيب تظهر على محياك , وانت لا زلت القائد العام لهذه الاسرة , والراعي لها , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
الأب هو الشجرة
اعلم يا رب الاسرة , ان مصير اسرتك مرتبط بك , انت شجرة اسرتك , انت ساقها وجذعها وجذورها , وهم الاغصان والأوراق والثمار, التي تتفرع منك وتمتد , انت الممر الرئيسي للغذاء والماء، فإذا تعطّل أو فسد، ضعفت الفروع وتجففت الأوراق , تماما مثل الشجرة , اذا أصيبت السيقان أو الجذع او الجذور بمرض (فطري أو بكتيري أو حتى تسمم جذور)، فإن ذلك ينعكس مباشرة على الفروع والأوراق
صحيح ان رزقهم ليس بيدك وحدك , انما انت وسيلة لوصول الرزق اليهم , فالله تعالى قد تكفل برزقهم (حْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)
ايها الاب , ايها الشجرة , انت الاصل , وفروعك ستتأثر بك , الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه , رواه البخاري ومسلم
فانت ايها الاب لك الدور الرئيس في صلاح ذريتك وفسادهم , والتي يحددها مالك واعمالك
أثر المال الحرام
الله سبحانه وتعالى امر الناس ان يأكلوا من المال الحلال : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 168]، وقال: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: 114].
وفي خطبة الوداع , يوم الحج الاكبر , اوصى النبي صلى الله عليه وسلم الناس فقال «أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم , وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ، فلا تظلمن أنفسكم
وفي حديث اخر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : أي لحم نبت من حرام فالنار أولى به , فإذا كان كسبك من الحرام، فأنت تغذيهم بنار لا بركة فيها , وتجعلهم على شفا حفرة من النار , ولا ينقذهم الا انت , بالتوبة والمال الحلال
المعصية تورث الدبور
اعلم ايها الاب , ان لكل معصية عقاب , كل معصية او ذنب تعمله , او ظلم تقترفه , فإن ذلك ينعكس على اولادك , ينعكس عليهم بالمصائب والدبور , فلا تدبرهم بدبورك ، وان العبد ليحرم من الرزق بسبب ذنب يقترفه ، وقديما قال المثل , لا تبك على الظالم , وابك على ولده , فلكل معصية عقاب , ولكل عمل صالح ثواب , عقاب وثواب في الدنيا , ثم في الاخرة يردون الى اشد العذاب , او الى نعيم مقيم
التوبة هي الحل
وكما ان اعمالك ومعاصيك تنعكس على ذريتك بالعقاب والمصائب والدبور , كذلك صلاحك واعمالك الطيبة , تنعكس عليهم بالبركة والصلاح , واهم عمل صالح يضمن لك صلاح ذريتك هو التوبة النصوح , التوبة من اكل الحرام وارتكاب المعاصي , التوبة من ظلم الناس واذيتهم
قال تعالى ، (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) سورة الاحقاف)
وهنا نقف مع عجائب و اسرار القران , الله تعالى ركز على عمر الاربعين سنة , في هذا العمر , يكون اغلب الاباء لديهم ذرية من مختلف الاعمار , منهم من قد وصل الى مرحلة المراهقة والشباب , ومنهم من لا يزال طفلا , البعض في المرحلة الابتدائية , واخرون في الثانوية , واصبح الاب لا يقدر على متابعة كل منهم على حدة , وكل ابن له اصدقاء , وكل بنت لها زميلات , وهنا يقف الاب حائرا لا يستطيع مراقبة ومتابعة الكل , هنا وفي هذه المرحلة , يأتي الحل من الله الذي اعطى الاب تلك الذرية , الحل هو في التوبة , توبة الاب ورجوعه الى الله , وتسليم الامر اليه في حفظ وصلاح ذريته , فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين , وانك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء , انت لا تستطيع ان تكون مع كل فرد من ابائك فتراقبه , فسلم الامر لله , الذي يعلم كل غائبة , ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) ) المجادلة )
من يخاف على ذريته بعد موته , فعليه بالتقوى
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) سورة النساء )
فتقوى الله , هو خير ما يورث الاب لأبنائه , ومهما ترك لهم من الاموال فقد تنتهي , ولكن تقوى الله مرتبطة بالله , الذي بيده خزائن السماوات والارض , وهو الحي الذي لا يموت ,وهو سبحانه الرزاق ذو القوة المتين
ولعلنا نتذكر قصة الكنز المذكور في سورة الكهف (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (82)سورة الكهف) , فصلاح الاب وتقواه , هو الكنز الحقيقي المضمون المحفوظ للأبناء عند الله
امثلة للصالحين ودعائهم لذريتهم
حينما وضعت ام مريم مولودتها , وفي خضم الام المخاض , دعت هذه المرأة الصالحة لمولودتها مريم عليها السلام , بأن يعصمها الله وذريتها من الشيطان الرجيم , (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)سورة ال عمران) , لم تدع لمولودتها بالرزق , فما من دابة في الارض الا على الله رزقها , لقد دعت لمولودتها وذريتها بالهداية والعصمة من الشيطان , الذين لا سلطان للشيطان عليهم , فكانت النتيجة ان تلك المولودة – مريم عليها السلام – ان انبتها الله نباتا حسنا , وهداها واصطفاها على نساء العالمين , يأتيها رزقها الله بغير حساب , ووهب لهاعيسى عليه السلام, نبيا ورسولا من الصالحين .
انتقوى وصلاح الاب , يضمن للأبناء حياة طيبة , يحفظهم الله , وينبتهم نباتا حسنا , يبعد عنهم المصائب , ويخطط لهم مستقبلهم , فيرزقهم الله بالأزواج الصالحين والذرية الطيبة , ويسهل لهم الرزق الحلال الطيب المبارك , ويهديهم ويصلح اعمالهم , ليلحقوا بأبيهم في جنات تجري من تحتها الانهار, (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) سورة الطور )
واعظم خسارة يوم القيامة , ان يخسر الانسان نفسه واهله : (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) سورة الزمر ) , (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) سورة الشورى)
في رمضان، لا نكتفي بالصيام عن الطعام، بل نصوم عن الظلم، عن الغفلة، عن التقصير في حق من تحت أيدينا. اللهم أصلح لنا في ذريتنا، واجعلنا لهم باب رحمة لا باب دبور.
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
شاركها مع من تحب… لعلها تفتح بابًا من الرحمة في هذا الشهر الكريم
