ما أشد أن يعيشَ الإنسانُ بين الناسِ، وهو محرومٌ من حقوقهِ الإنسانية وحرية الحياة والاختيار، مثل عيشة العبيد التي كانت منتشرةً في ربوع الدنيا كلها، في تلك الحقبة الزمنية وذلك العصر، ولم تكن جزيرة العرب بدعاً من الأمم، أتت بحياة السادة والعبيد من تلقاء نفسها، ولكنه نظامٌ قديم الأزل في مختلف الأمم والحضارات، ويسري على جزيرة العرب في ذلك ما يسري على جميع الأمم، والحضارات المختلفة.


وإن واقع هذه الحياة -وأعني حياة العبودية- يكون أشد مرارةً وفظاعةً، على نفس من يدرك ويعلم علم اليقين أصله ومنشؤه، ومن يعلم أنه كريم النسب عزيز العشيرة، إلا أن قومه وعشيرته ينكرونه وأولهم من كان سبباً في مجيئه إلى هذه الحياة، وهذا هو عنترة العبسي الفارس الشاعر الكريم الشجاع، من سارت بحديثه الركبان، ونُسجت حوله العديد والعديد من الأساطير والحكايات.


وعندما نتأمل في حياة عنترة وتاريخة المليئ بالأمجاد والمفاخر، نجد أنه عانى من صراعاتٍ حياتيةٍ مريرة، وذلك لإنكار والده نسبته إليه، لأنهُ ورث لون جلد أمه وتصييره عبداً من العبيد، وكان من حقه أن يكون سيداً من السادات، إلا أنه كان صاحب همةٍ شديدةٍ، تدعوه وتحثه على أن يكون أعلى قدراً وأعز سلطاناً من بني قومه، تحدث عنها عنترة ووصفها بأنها شديدة الإرتفاع، لدرجة أن أعداءه لا يرقون إلى مستوى همته، فلذلك لا يضره لون جلده واسم أمه فقال في قصيدة له:
" ما ضرني لوني واسم زبيبةٍ * إن قصَّرت عن همتي أعدائي "


فنجد أن عنترة بعلو همته وصدق عزيمته، قد ثابر وجاهد حتى نال حريته واعترف به قومه، ثم لم يقف عند ذلك، بل واصل تحقيق البطولات والأمجاد والمفاخر، حتى صار علماً ورمزاً ومدعاةً للفخر والعزة، لبني عبسٍ جميعاً، فصاروا هم خاصةً والعرب عامةً يتغنون بأشعار عنترة، ويتحدثون بأمجاده ويفخرون ببطولاته، والغريب أن عنترة بعد كل هذا المجد لم تدعه نفسه للتكبر والغرور، بل ظل كريماً حليما عفيفاً متحلياً بمكارم الأخلاق، ولا أستبعد أبداً أن يكون عنترة ممن تحنفوا من العرب، وأختم مقالي هذا ببيتٍ من نفس القصيدة لعنترة، التي قالها وهو حدث السن صغير، ووصل في حياته إلى ما وعد أن يصل إليه فقال:
" فلإن بقيت لأصنعن عجائباً * ولأبكمن بلاغة الفصحاء "