من التحالف إلى الانتداب: التحول الروسي في سوريا
- منذ أن رفعت موسكو غطاءها السياسي عن بشار الأسد، لم تعد سوريا بالنسبة إليها حليفًا مضطربًا يحتاج إلى إنقاذ، بل ملف نفوذ يتطلب إعادة تصميم وإدارة. فروسيا، التي دخلت الحرب بذريعة “محاربة الإرهاب”، خرجت منها منتدبة على الجغرافيا السورية، لا حليفة لحاكمها. كانت مهمتها في البداية مواجهة الفصائل المسلحة، فإذا بها اليوم تُدير شبكة الحكم ذاتها من فوق سقف الدولة السورية، مُمثلة في ظلالها الجديدة: أحمد الشرع وجولانيه.التحول الذي جرى لم يكن في الأشخاص فقط، بل في البنية الوظيفية للدور الروسي. فبعد أن كانت موسكو ترى في دمشق مركز القرار، صارت ترى في سوريا أرض انتداب مرن تُمنح فيها السلطة لمن يحقق الاستقرار الأمني ولو بقبضة دموية. ومع صعود الجولاني إلى رأس الحكم الفعلي في البلاد، واحتواء موسكو له تحت جناحها السياسي عبر أحمد الشرع، بدا أن روسيا وجدت ضالتها: زعيم مقبول أمنيًا، مرفوض ديمقراطيًا، لكنه قادر على ضبط الفوضى باسم النظام الجديد.لقد انتقلت روسيا من حماية الدولة إلى احتكار تعريفها. فليست الشرعية اليوم تلك التي تصدر من صناديق الاقتراع أو من إرادة شعبٍ مسحوق، بل من “فاعلية السيطرة” التي يمتلكها الجولاني على الأرض، بغطاء روسي صريح وتفاهمات إقليمية خفية. وهكذا، تحولت سوريا إلى دولة مُدارة لا دولة ذات سيادة، وإلى مختبر سياسي لإنتاج نموذج جديد من الانتداب — لا يرفع علمًا أجنبيًا، لكنه يحتكر القرار الوطني بغطاء محلي.🔹 النموذج المكرّر: من غروزني إلى دمشقما تفعله موسكو اليوم في سوريا ليس جديدًا في سجلها الجيوسياسي. فقد جُرّب هذا النمط سابقًا في الشيشان حين أُعيد بناء غروزني على أنقاض الحرب عبر رجلها القوي رمضان قديروف، الذي تحوّل من خصمٍ ميداني إلى حاكمٍ وظيفي تحت الرعاية الروسية. ومثله في داغستان وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، حيث لم تعد موسكو تُحكم مباشرة بل عبر وكلاء محلّيين يتلقون الشرعية من “مركز القرار الروسي”، ويمنحون في المقابل استقرارًا ميدانيًا منضبطًا على مقاس الكرملين.تلك التجارب صنعت ما يمكن تسميته بـ "نموذج السيطرة بالوكالة"، وهو بالضبط ما يتكرّر اليوم في سوريا: سلطةٌ هجينة الشكل، محلية المظهر، روسية الجوهر.في هذا المعنى، لم تعد موسكو تخوض حربًا ضد الإرهاب، بل تُعيد تعريف الإرهاب وفق مصلحتها؛ فكل من يعارض سلطة الجولاني الجديدة بات خارج “منظومة الأمن الروسي”، وكل من يخضع لها أصبح جزءًا من “الاستقرار السوري” الذي ترعاه موسكو. إنها صيغة انتداب حديثة تُمارس بوسائل القرن الحادي والعشرين: إعلام، استخبارات، ومجالس مصالحة، لا دبابات وجيوش.🔹 تعدد الوكالات وانكسار الدولةغير أن الانتداب الروسي في سوريا لا يقف وحيدًا؛ فهو يجاور الوكالة التركية المباشرة التي يمثلها الجولاني وزبانيته. فالرجل الذي نُصِّب رأسًا للحكم تحت عين موسكو، ما زال ينهل ولاءه السياسي والأمني من أنقرة، ويتحرّك وفق إيقاعها الميداني والاستخباري. وهكذا، وُلدت في سوريا سلطة مزدوجة الانتماء: تخضع لروسيا في العلن، وتدين لتركيا في العمق، وتستمد شرعيتها من توازن بين المنتدبَين.بهذا المعنى، لم تعد سوريا دولة تحت وصايةٍ واحدة، بل أرض انتدابات متداخلة، تتنازعها القوى باسم “الاستقرار” و”مكافحة الإرهاب”، بينما تتآكل سيادتها الوطنية حتى النخاع.إن تجربة موسكو اليوم تعيد إلى الذاكرة صورة الدولة العربية في زمن ما بعد العواصف الكبرى: دولٌ لم تُهزم عسكريًا فحسب، بل أُعيد تعريفها كوظائف لا ككيانات.فمن الأسد الذي استمد بقاءه من الحليف، إلى الجولاني الذي يستمد شرعيته من الوكيل، تتكرّس معادلة واحدة:
لا دولة تبقى حين تتحوّل سيادتها إلى عقد خدمةٍ بين المنتدب والعميل.

