كارترايت وكازينياك يعتقدان "ان تفسير الاحلام ربما تكشف  شخصية المفسر اكثر مما تشرح معاني الاحلام". والاجابة على السؤال الاكثر اهمية وهو هل الكفيف منذو الولادة يرى احلام ولماذا من المهم معرفة ذلك؟

في هذا المقال ساوضح من خلال الابحاث والدراسات العلمية كيف يتم الحلم, ولماذا البعض لا يحلم البتة, وهل يمكن تحت ظروف معينة ان يحلم الشخص احلاما وردية وزاهية ولماذا؟ وماذا يرى الكفيف عندما يحلم.؟ راجيا  ان يستفيد القارىء من تلك المعارف والتحليلات التي تناولها الباحثين والعلماء, وان يجعل هذه "المعرفة" بمثابة خارطة طريق لتفكيره خاصة حيال احلامه.


ألية الاحلام وواقعيتها ومحفزاتها

ترجع الفكرة القائلة "بان الاحلام هي النافذة المطلة على اللاوعي", لعالم النفس الشهير  فرويد. والحقيقة ان الابحاث الحديثة خلصت الى صحة نظرية فرويد. وللاجابة على كيف يحدث الحلم, هناك من العلماء من يتصور ان السبب يعود الى ان معظم الاحلام تقع في مرحلة معينة من النوم, تسمى نوم الـ "ار إي ام" ويتصورون انها  لا ترتبط بالعواطف ولا كذلك بالافكار, والـ "ار إي إم" تعني سرعة حركة العين, فهي تحدث خلال مرحلة معينة من النوم تفتح وتغلق بشكل ألي كل 90 دقيقة اثر تلقيها اشارة من احد اجزاء الدماغ الدقيقة, وهذا كان اعتقادا سائدا حتى وقت قريب.

فقد وجد ما يثبت ان الاحلام لها بعض الدلائل والمعاني النفسية, وقد اكتشف احد اطباء الاعصاب البريطانيين ان احد مرضاه توقف عن رؤية الاحلام, وكانت المفاجئة ان الجزء المتضرر في الدماغ لم يكن مسؤلا عن الـ "ار إي ام", وبناء عليه قرر الدكتورمارك سولمز, المتحصص في علم اعصاب الدماغ, دراسة عينة تقدر بـ 360 شخصا للاطلاع على ما جرى لاحلامهم.. وقد وجد سولمز ثلاثة اشياء رئيسية:

الاولى: وجد ان الضرر الذي لحق بجزء من الدماغ- المسؤل عن فتح واغلاق الـ "أر إي إم" ليس له علاقة ولا تأثير على الاحلام..

 الامر الثاني:  وجد ان الشخص الذي يقول انه لم يعد يحلم ليس وحيدا, فقد وجد ان 47 حالة تضررت في جزء معين من الدماغ, لم تعد قادرة على رؤية الاحلام نهائيا..ولم يكن مستغربا ان الجزء الدماغي الذي تعرض للضرر ادى الى فقدان التحلم, وقد اكتشف ان الجزء المتضرر في الدماغ كان مسئولا عن توليد الصور المكانية.

 وكان اكثر المفاجئات اثارة, ان المجموعة الثالثة من المرضى, كان لديها ضررا في الفصوص الامامية المربعية "الفينترومشل, واصبح معروفا بشكل دقيق العمل الذي تقوم به, ففيها يوجد قناة من الالياف تمر من خلال هذا الجزء من الدماغ, تساعد في نقله مادة كيميائية تسمى "دوبمين" وهي احد الانظمة" الدوبمينية" الرئيسية في الدماغ, وهناك نظام "دوبمين" واحد يحتوي مسبب مرض "باركنسون" وكان هذا النظام قد عرف بانه معني بمرض انفصام الشخصية, والمجموعة الثالثة هذي كان لديها ضررا في هذا الجزء من الدماغ, ونتيجة لذلك, حدث امرين كما يقول سولمز:

الاول: لقد فقدوا الحلم تماما.

ثانيا: لقد اصبحوا عديمي الحس والعاطفة وايضا كسولين وقد فقدوا التلقائية والاستمتاع بالحياة. ويجيب سولمز "ان المدهش في الامر ان هذا الجزء من الدماغ مهم جدا للتحفيز للوصول الى اعلى مراتب الطموح, ويؤكد انه قد لاحظ ان جزء من الدماغ يصبح نشطا بشكل قوي عندما يبدأ المدمن في البحث عن العناصر التي ادمن على تعاطيها, وهذا يعني انها مرتبطة "بمحرك الالحاحات او الاحتياجات" لشيء ما, وليس لاي شيء اخر. ويؤكد, "ان هذا الجزء من الدماغ كان بشكل واضح وقوي مسؤلا عن الاحلام, وهذا يفيدنا بان الاحلام هي بذاتها مرتبطة بـ"محرك الحاجات" لاشياء لا يمكن ان نتوقعها"...
و حينما سؤل سولمز عما اذا كانت هذه الاكتشافات تتفق مع نظرية فرويد, قال بالتأكيد انها كما كان يعتقد فرويد.
وقد سؤل عن اهمية "الدوبمين" في مجرى احداث الاحلام, فأجاب: "ان افضل دراسة لشرح ذلك هي دراسة الـ فارماكولوجكل, وقد تمت بواسطة هارتمان ارنست, حيث توصل الى انه في حالة اعطاء شخص يغط في نوم عميق جرعة "ليفادوبا", وهذا عقار يساعد في خلق ونشر الـدوبمين في الدماغ, فان هذا العقار سيجعله يحلم احلاما جميلة وزاهية تمتد لفترات طويلة, وليس لها الاثر السلبي على الية النوم" ويعتقد, "ان ذلك اكتشاف عظيم, لاننا من خلاله قد استطعنا عكس المعادلة بحيث اعطينا المرضى المدمنين عقارا يدعى "هاربيردل" وهذا العقار يمنع نشاط "الدوبمين"..ولذلك هناك الكثير من التوافقات المثبتة التي تدعم بشكل واضح كيف يمكن لنا ان نفتح الحلم او نقفله, أي انه اصبح باستطاعتنا التحكم في الحلم عن طريق "الدوبمين" كما وان هناك شواهد تفيد بأنها لا تتعلق بحالة النوم ألـ ار أي ام.
ويؤكد الدكتور سولمز "ان ما نعلمه بشكل يقيني عن الاحلام الان, هو انها تعمل وفق النظرة الطموحة المكبوتة للفرد, وهي كذلك ليست افكار عادية لكنها رغبات داخلية ملحة, وقد تعطينا بعض المفاتيح لمعاني بعض الاحلام خاصة فيما يتعلق بتاريخ الشخص, لكن من الصعب تعميم ذلك" واستطرد قائلا, و قد تكون مؤشرا جيدا لنوع او وضع الحالة الذهنية للفرد وهذه  بلا شك سوف تسهل علينا تشخيص بعض الامراض العقلية.

جي وليام دوموف باحث بارز في مجال الاحلام , وجد من خلال دراسة واسعة  النطاق حول محتوى الاحلام, "ان الاحلام تعكس الافكار والاهتمامات التي  يمر بها الحالم اثناء يقظته". بينما كارترايت وكازينياك يعتقدان "ان تفسير الاحلام ربما تكشف  شخصية المفسر اكثر مما تشرح معاني الاحلام".


الدراسات المتعلقة بأحلام فاقدي البصر

الكثير من الدراسات والابحاث تشير الى ان الكفيفين بالخلقة  لا يرون في احلامهم صورا حقيقية كما يشاهدها الاشخاص العاديين, والسبب في ذلك يعود الى ان الجهاز المسؤل عن انتاج الصور في الدماغ اصبح غير موجود نظرا لعدم تفعيله او تمكينه من العمل, ما جعل الدماغ  يستغني عنه وينشط اجزاء اخرى في الدماغ معوضة لفقده.  ومن هذه الدراسات:  ثلاثة دراسات معملية (اماديو & غوميز, 1966, بيرغر, اولي& أوزوالد, 1962, و كير, فولكس, & شميث, 1982) والى جانب هذه الدراسات, هناك دراسة دقيقة تناولت ظاهرة الحلم لدى فاقدي البصر من خلال المقابلات الشخصية (هاروفتس دن دوموف& فيز 1999).

  خلصت هذه الدراسات الى ان الكفيفين بالخلقة  وكذلك الاطفال الذين فقدوا البصر في مراحل مبكرة-5سنوات واقل- لا يرون صورا مرئية في احلامهم, بينما فاقدي البصره في مرحلة المراهقة او في مرحلة اصغر, وجد انهم  في الغالب يحتفظون بصورا ذهنية بصرية ضبابية في احلامهم وكذلك في يقظتهم.

والواقع ان معظم الدراسات,  بما فيها الدراسات الانفة الذكر, تنفي ان تكون الصور التي شاهدها الكفيفين بالخلقة في احلامهم  مشابهة  للصور التي يراها الافراد العاديين, بل ان الصور المشاهدة من قبل الكفيفين, كانت عبارة عن صور ضبابية وغير واضحة ويغلب عليها اللون الرمادي, وان الكفيف بالخلقة, يرى هذه الصور بموجب التصورات المتخيلة لديه من خلال ما يسمع او يلمس, اي انها صورا يتخيلها وليست مطابقة للواقع.

 

 بيرتولو واخرون (2003) في دراستهم  المثيرة, تناولوا الاحلام لدى فاقدي البصر, وخلصوا الى ان الكفيف يرى في احلامه صورا حقيقية ليس بناء على الجزء الخاص بتكوين الصور في الدماغ, لكن من خلال استخدامه لخاصية التخيل وحاسة اللمس. وقد شرحوا في ملخص دراستهم الى,  "ان الصور التي يراها الكفيفين في احلامهم, هي  "صور افتراضية"  ويصفون هذه الصور بأنها  "مفاهيم" قادرة على الترميز التصوري", وانها لذلك تماثل الصور التي يراها الشخص العادي.

 و في نقد قوي لهذه الدراسة, يعتقد الباحثان  كير, ان,&دوموف, جي. (2004)  ان بيرتولو وزملائه, اعتمدوا في تحليلاتهم على فرضيتهم التي ملخصها:  "ان الكفيفين "الحالمين" بأستطاعتهم رسم المناظر والاشكال في  الاحلام كما يستطيع المبصرين رسم صورا واشكال بصرية حينما يطلب منهم تغطية اعينهم". وبموجب هذه البينة استنتجوا ان الكفيفين لابد وانهم يمرون بتجربة "الصور البصرية" في احلامهم".  وهذا الزعم يراه الناقدان, "يناقض وبشكل مباشر مجموعة ابحاث حققت في الكيفية التي تجعل الكفيف يخلق  رسومات تصويرية اثناء خبراته في اوقات الاستيقاظ, غير ان هذه التصورات تكون في الغالب ضبابية وغير دقيقة ما يعني ان احلامه والصور المشاهدة فيها تكون هي الاخرى ضبابية وغير واضحة.

بالاضافة الى ذلك, اكد الباحثان على اهمية نتائج الدراسة المخبرية (كينيدي, 1993-1997)   التي تشير الى  عدم وجود "صور بصرية" لدى أولئك الذين فقدوا ابصارهم قبل سن 4, كدليل على تماسك فكرة, ان الحلم هو انجاز تدريجي عقلي-يتطلب تطور مهارات بصرية ومكانية واشكال اخرى من المهارات التخيلية".

 

ما نود الاشارة اليه هنا, انه وفقا لمعظم الابحاث العلمية التي تناولت هذه القضية, هو ان الكفيف بالخلقة لا يمكن ان يشاهد في احلامه صور واشكال واحجام تجسد الواقع كما هو الحال لدى المبصرنظرا لعدم وجود المعمل او الجهاز الخاص بالصور في دماغة وبناء عليه, فأننا نستنتج ان الاحلام هي في الواقع معلومات و صور مبعثرة  مخزنة في اللاوعي وفي العقل الواعي الذي يحتفظ بالصور والاشكال والمعلومات في الذاكرة الطويلة, وان الجهاز- المعمل الخاص بها والذي يقع في الدماغ يقوم بترجمتها الى صور ومشاهد ومعلومات مبعثرة ايضا.


الخلاصة:

اذا بناء على دراسة الدكتور مارك سولمز نستطيع ان نقول ان الاحلام هي في الواقع تتولد نتيجة الحاحات او محفزات داخلية يترجمها الدماغ الى صورا ربما  في معظمها غير واضحة, يتم ذلك من خلال تفعيل مادة الدوبمين الضرورية للحلم.. ولذلك فان الاحلام هي في الواقع تصورات "شخصية" يقوم بصناعتها الدماغ بموجب الخبرات والتجارب السابقة والراهنة, ولا يمكن باي حال ان تتكرر او تتشابه بين شخص واخر. وان افضل من يستطيع تفسيرها هو الشخص ذاته, بمعنى ان ما يحلم به زيد من الناس لن يستطيع احدا تفسيره الا زيدا نفسه وان اغلبها يمكن مشاهدته يحدث مثلا شخص يحلم بمشاهدة صديق الطفولة "احمد" وفي ليلة حلم بمكالمته او لقاءه, وفعلا يتحقق ذلك في اليوم التالي او يسمع عنه اخبار,,غير ذلك كثيرا لا يتحقق البتة.؟ اذا الاحلام تعبر عن رغبات وطموح واماني مكبوته لم يستطع الفرد تحقيقها في عالمه الحقيقي ومن الصعوبة بمكان تفسير ماهياتها كأحلام.

د. سالم موسى القحطاني

جامعة الملك خالد

2010