قصة من أساطير الأولين، سمعتها مراراً وتكراراً في صغري من أحد كبار السن حين كانت قصصهم هي التسلية الوحيدة لنا في عصر لم يكن لدينا فيه مالدى أطفال اليوم من وسائل الترفيه.

كبرنا ومازالت بعض تلك القصص عالقة في أذهاننا بكل متناقضاتها وأحياناً استحالة حدوثها ولكننا كنا نسمعها بنهم ونتداولها بشغف، وبعضها بالنسبة لنا بمثابة الإسرائيليات التي لانصدقها ولا نكذبها بل نأخذ منها العظة والعبرة، دون الحاجة لتحليلها أو الخوض في تفاصيل أحداثها.

قصة اليوم عن رجل اسمه "عُصيم" كان سريعاً جداً في العدو، ولم يستطع أحد أن يسبقه.

كان مغتراً بنفسه، فسمع عن رجل في ديار بعيدة اسمه "عَصَّام" يمتاز بالسرعة والقوة والجبروت.

فأراد عُصيم أن يختبر نفسه أمام عصَّام فشد الرحال لدياره وبعد مسيرة أيام وصل إليه.

فاستقبله خير استقبال وقام بواجب ضيافته، ثم سأله عن حاجته فقال: سمعت أنك سريع في العدو وأريد أن نتسابق.

فقال عصَّام اذهب فلست نداً لي، فقال والله لن أعود حتى نتسابق، فإما أن أسبقك أو تسبقني وماقطعت هذه المسافة لأعود دون ذلك.

فقال عصّام فإن كان لابد فأنا لا أسابق أحداً إلا على رهان. إن سبقتني فلك كل حلالي - وكان لديه مجموعة من الأغنام- وإن سبقتك فماذا لي؟

قال عصيم أما أنا فلا أملك إلا روحي التي بين جنبي.

قال عصام فإن سبقتك فهي لي (أي سأقتلك).

فاتفقا على ذلك، وفي الصباح قام عصام بإعداد وجبة الإفطار لهما وبعد أن أفطرا.. قال عصام لعصيم أما أنت فاستعن بالله ثم انطلق وأما أنا سأقوم برعي غنمي ثم إعادتها وبعد ذلك سأنطلق وراءك واحذر فإن لحقتك سأقتلك.

قال عصيم وكيف أعرف أنك اقتربت مني؟

قال ستشعر بأنفاسي كالجمرة في ظهرك فانج بنفسك.

أدرك عصيم أنه قد وقع في مغبة غروره فأطلق ساقيه للريح بأقصى سرعة.

وماكان من عصّام إلا أن رعى غنمه كالمعتاد وأسقاها وأعادها... ثم انطلق. 

عصيم يجري بأقصى سرعة ويلتفت كل حين ثم يطمئن ويعود للجري وماهي إلا سويعات فإذا به يشعر بتلك الجمرة التي اخترقت ظهره ليحس بحرارتها في صدره، فالتفت فإذا به يرى عصام على مقربة منه.

فأخذ يجري بأقصى سرعة وعصام يقترب منه وحرارة أنفاسه تحرقه أكثر.

أدرك عصيم أن لا نجاة من الموت إن استمر بالجري، فقرر أن ينجو بطريقة أخرى؛ إذ رأى شيخاً يحرث أرضه ، فما كان من عصيم إلا أن قصد ذلك الشيخ ليستنجد به..

فأخذ يصرخ من بعيد ويقول : هل نجي الدخيل؟

هل نجي الدخيل؟ فالتفت الشيخ فرآه خائفاً يركض نحوه وعصام خلفه والشرر يتطاير من عينه.

فقال الشيخ: لقد نجيت.

فلما تجاوزه عصيم اعترض الشيخ طريق عصّام فضربه ضربة بفأسه حتى أرداه قتيلاً.

فلما هدأ روع عصيم سأله الشيخ ما قصتكما؟

فأخبره بالقصة كاملة فقال الشيخ :

"عصّام عاف عُصيم"

أي أن عصيم أعيا عصام فلم يستطع أن يلحق به، وغدت مثلاً شعبياً يقال حين لا يستطيع القوي أن يغلب من هو أقل منه قوة سواء تفوق عليه بمكر أو حيلة أو بمساعدة. 

قصة قد تكون من أساطير الأولين وخرافاتهم ولكن فيها من العبر والمواعظ؛ سأتركها للقارئ ليقرأها دون أن أكتبها. فربما قرأ منها ما لم أستطع كتابته. 


✍️أبونواف

الثلاثاء ١٧ ذي الحجة ١٤٤٢هـ