الدوريان: تحدي الحواس وعشق ماليزيا المخفي
فاكهة الدوريان تُصدم بحضورها، لكنها تمنح مذاقاً لا يُنسى لمن يجرؤ.
في رحلات الحياة، ثمة تجارب تنقلب فيها الحقائق، ويتغير المألوف ليصبح غير مألوف، وتكتشف الجمال في ما كنت تظنه قبحًا. لعلني كنت أدرك هذا الأمر نظريًا فقط، لكنني عشته حقًا حينما كنت مع صديق عربيٍّ لي في ماليزيا، حيث أقنعته بالخوض في تحدٍّ مع حواسه بشكل لم يكن يتوقعه، هذا التحدي في مواجهة فاكهة الدوريان.
الدوريان، هي فاكهة مثيرة للجدل، يُطلق عليها “ملكة الفواكه” بفضل طعمها الكريمي الغريب ورائحتها التي لا تشبه شيئًا سوى نفسها.. فاكهة بطلاء من الشوك، ورائحة قد يدركها بعض المتذوقين كرائحة لا تُحتمل، لكنها تحمل في طياتها متعة خاصة لا يفهمها إلا المغامرون.
كان صديقي يواجه الأمر بتردد واضح، وكيف لا؟ وقد سمع الكثير من القصص عن هذه الفاكهة ذات الرائحة التي وُصفت بأنها مزيج من البصل المتعفن والجبن المعتق. "لا شيء يليق بمقامٍ كهذا الملك"، قال صديقي مازحًا، ناظرًا إلى الدوريان بازدراء خفي.
لكنني لم أترك له فرصة للإفلات، وقلت له: "إن كنت فعلاً ترغب بمعرفة ماليزيا الحقيقية، فعليك أن تغامر، أن تغوص في التجربة كاملة". استدرجته إلى طاولة الباعة في أحد أسواق ماليزيا، حيث كانت هذه الفاكهة تُعرض بكثرة، كيف لا ونحن في منتصف العام، وهو موسم الدوريان السنوي.
كان جُلّ ما يقف بين صديقي وبين هذه الفاكهة مجرد رائحة، تلك الرائحة التي ينفر منها غير المعتادين، كأنها اختبار لإرادة العابرين، إما أن ينجحوا أو يفروا منها بلا عودة. وبعد محاولات إقناع دامت طويلاً، اضطررت فيها لاستخدام الحجج والدعابات، استسلم صديقي أخيرًا، فأمسك قطعة من اللب الكريمي الأصفر، نظر إليّ نظرة تحذيرية، ثم وضعها في فمه ببطء كأنما يدخل أرضًا جديدة تمامًا.
للحظة، رأيت ملامح وجهه تتغير، في مزيج من الدهشة والاستغراب، فقد كان الطعم أشبه بمزيج لم يتخيله قط: طعم كريمي محلى بنكهة الفانيليا، ونفحة من اللوز، وقوام زبدي لا يشبه أي شيء قد تذوقه من قبل، هكذا وصفها صديقي.. وبعد بضع قضمات، أخذ يقول بابتسامة خفيفة: "إنها حقًا تجربة مختلفة، كأنها تُخاطب الحواس بلغة غريبة".
لقد نجحت الفاكهة في اختراق حواجز صديقي الثقافية، وأسقطت تحيزه الأولي، ولم تمضِ أيامٌ حتى تحول هذا التذوق الأول إلى شغفٍ حقيقيٍ..
كان صديقي، الذي تعود على طعم الزعتر وزيت الزيتون في موطنه العربي، يخوض الآن تجربةً تتجاوز مجرد الذوق، ففاكهة الدوريان، التي تتخذ من ماليزيا وطنًا، ليست مجرد طعام فحسب، بل رمز ثقافي يحمل في طياته تاريخًا وقصصًا.
قد تكون الرائحة حاجزًا أوليًا، لكنها تفضي إلى عالم من النكهات المعقدة، وتجربة تتنوع بتنوع الفاكهة نفسها، إذ تضم أنواعًا مختلفة: من "موسانغ كينغ" بنكهتها العميقة التي تجمع الحلاوة مع لمسةٍ خفيفة من المرارة، إلى "دي 24" بنكهته المتوازنة، مرورًا بـ "ريد برون" الذي يكتسب لونًا برتقاليًا محمرًا ويضفي نكهةً حلوة فريدة على التجربة.
لم يكن الأمر يقتصر على التذوق فقط؛ فهذه الفاكهة المغطاة بالأشواك، التي تحتاج إلى أدوات خاصة لشقّ قشرتها، أصبحت طقسًا يمارسه صديقي بشغف، كأنه يتعلم أسرار ثقافة جديدة، فقد كان يشقها بحرص، ويتذوق اللب الكريمي كما لو كان يحتسي شرابًا نادرًا، ويتلذذ بالنكهة التي تفيض على لسانه وتنساب برفق داخل روحه، حتى إنه كان يقف في طابور طويل وسط السكان المحليين، ينتظر حصته من هذه الفاكهة، وهو الذي لم يتخيل يومًا أن يستهويه طعام يتطلب تحدي الحواس، بدءًا من الشم وصولًا إلى التذوق.
مع الوقت، أخذ صديقي في استكشاف فوائد الدوريان الصحية، وقد بات من عشاقها بحق، فهذه الفاكهة الاستوائية ليست مجرد تجربة ذوقية، بل هي فاكهة غنية بالفيتامينات والمعادن، مما يجعلها غذاءً ممتازًا يعزز صحة الجسد، فهي تتمتع بفوائد صحية عديدة بدءا من فيتامين سي الذي يعزز المناعة، إلى الألياف التي تساعد على تحسين الهضم، والدهون الصحية التي تدعم صحة القلب، وقد وصفها صديقي قائلا: إنها ثمرة المعجزات، التي تجمع ما بين اللذة والفائدة.
غير أن حب صديقي لهذا "الملك المتوج" لم يكن خاليًا من بعض التحذيرات؛ فقد تعلم أن الإفراط في تناولها قد يسبب زيادة في الوزن نظرًا لسعراتها الحرارية العالية، واكتشف أن الإكثار من تناولها قد يرفع حرارة الجسم، مما يجعلها فاكهة تلائم الحذر والتعقل.
في إحدى لياليه الأخيرة في ماليزيا، نظر صديقي إلى الثمرة بامتنان؛ كان قد استحوذ عليه إعجاب عميق بماليزيا وثقافتها، ورأى فيها أكثر من مجرد طعام عابر، فقد غادر ماليزيا وعيناه تشعان بتجربة فريدة، تجربة الدوريان التي باتت أشبه بمرآة يرى فيها نفسه، يرى فيها المغامرة والجموح، وأحيانًا المقاومة.. صار يصف نفسه كأنه عاشقٌ في مواجهة "الجمال المختبئ خلف الشوك".
لقد تركت فيه هذه الفاكهة درسًا لن ينساه، وهو أن ما يبدو منفرًا قد يحمل في طياته كنوزًا من المتعة، وأن خلف الأصداف الصلبة تكمن لآلئ لم يكن ليراها لولا شجاعته.
كانت تجربة الدوريان بالنسبة لصديقي أشبه بالبحث عن شيء غير مألوف، نوع من المغامرة الكامنة في تجاوز الحدود الشخصية والانفتاح على الجديد.
عاد صديقي إلى بلده بحبٍ دفين لهذه الفاكهة، بل وأخذ يحث الأصدقاء على تجربتها رغم تحذيراتهم، وبات يقارنها بأشخاص يقابلهم في الحياة؛ أولئك الذين تبدو قشرتهم الخارجية قاسية وربما منفرة، لكن بداخلهم لبا ناعمًا خفيًا يحتاج جرأةً لاستكشافه.
قد تكون حياتنا، مثل الدوريان، محملة بالتحديات والروائح الغريبة، لكنها تستحق منا أن نتحلى بالشجاعة للغوص في أعماقها.. ربما خلف كل مظهرٍ خشن ومتنفر، جمال لا يُدرك إلا لمن يغوص عميقًا.
