التعليم كقوة ناعمة: تطلعات ماليزيا في الدبلوماسية الثقافية

الإدارة العليا في جامعة المدينة العالمية بماليزيا، خلال مؤتمر صحفي ناقش دور التعليم في تعزيز القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، وتكريم ممثلي وسائل الإعلام. (تصوير: عبدالله بوقس)
في عالم تتسارع فيه المنافسات الدولية وتتغير فيه موازين القوة التقليدية، لم يعد النفوذ الحقيقي حكرًا على القدرات العسكرية أو الموارد الاقتصادية؛ بل بات التأثير الثقافي والفكري أحد أبرز أذرع القوة وأكثرها عمقًا واستدامة. وفي هذا السياق، تسعى ماليزيا إلى إعادة تعريف التعليم، لا بوصفه وسيلة للحصول على الشهادات فحسب، بل كرافعة استراتيجية تُعزز حضورها وتأثيرها العالمي، ضمن إطار ما يُعرف بـ"القوة الناعمة"—القوة التي تنبع من الجذب والاحترام، لا من الإكراه أو المال.
يشكّل التنوع العرقي والثقافي في ماليزيا حجر الزاوية في مشروعها لبناء قوة ناعمة ذات طابع حضاري وإنساني. فهذا البلد، الذي يتكون نسيجه الاجتماعي من الملايو، والصينيين، والهنود، إلى جانب السكان الأصليين والمهاجرين العرب والغربيين، يقدّم بيئة ثقافية غنية تُمكّن الطلاب الدوليين من خوض تجربة تعليمية متعدّدة الأبعاد، حيث يندمج التعلم الأكاديمي مع التفاعل الثقافي والتعايش المجتمعي.
تمنح هذه البوتقة الثقافية ماليزيا ميزة فريدة تجعلها منصة مثالية لبناء جسور بين الحضارات، ما يجعل التجربة التعليمية فيها أفقًا للتمازج الحضاري يتجاوز حدود القاعات الدراسية نحو فضاءات التفاهم والاحترام المتبادل. وفي هذا الإطار، تلعب الجامعات الخاصة دورًا استباقيًا في التفاعل مع هذا التنوع من خلال برامج دولية منفتحة على مختلف الجنسيات والثقافات، بينما تنخرط الجامعات الحكومية في دعم البحث العلمي وتعزيز الحوار الثقافي والديني. لكن غياب التنسيق بين هذين المسارين يظل عائقًا حقيقيًا أمام تطوير استراتيجية تعليمية وطنية متكاملة تُعزز من موقع ماليزيا كمركز أكاديمي عالمي.
فضاءات للتلاقح والتواصل
تجلّت هذه الرؤية بوضوح خلال مؤتمر صحفي شاركت فيه بجامعة المدينة العالمية، وهي مؤسسة أكاديمية خاصة غير ربحية تعمل ضمن قانون التعليم العالي الماليزي. وقد شكّلت الجامعة نموذجًا حيًا لتطلعات ماليزيا في تحويل التعليم إلى أداة نفوذ ثقافي واستراتيجي.
أوضح مدير الجامعة، الدكتور سعيد الحازمي، أن المؤسسة تسعى لتكون جسرًا حضاريًا يربط بين ماليزيا والعالم، مشيرًا إلى أن اختيار ماليزيا كمقر للجامعة لم يكن عشوائيًا، بل اعترافًا بدورها المحوري في تقديم نموذج تعليمي ينهل من التعددية وينبني على الجودة. وأضاف: "نؤمن أن طلبتنا مؤهلون للمنافسة عالميًا، ولدينا إرادة لترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس".
من جانبه، أكد نائب مدير الجامعة للشؤون الأكاديمية والبحث والابتكار، البروفيسور د. كمال نصر الدين، أن الطلاب الدوليين—الذين يمثلون أكثر من 90 جنسية—يتحولون إلى سفراء غير رسميين ينقلون صورة ماليزيا وقيمها إلى بلدانهم. وفي حديث خاص معه، أشار إلى أن الجامعات لم تعد مجرد مزوّدات للمعرفة، بل صارت فاعلًا استراتيجيًا في سياق الدبلوماسية الثقافية، خصوصًا تجاه العالم العربي والخليج. وأضاف: "نحن نؤمن أن تدويل التعليم ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء جسور الفهم المتبادل"، في انسجام مع مفهوم "القوة الناعمة" كما صاغه جوزيف ناي، القائم على التأثير من خلال القيم لا عبر الإكراه أو الموارد.
وفي هذا السياق، أطلقت الجامعة برنامج "السياحة التعليمية"، الذي يجمع بين التعليم والتجربة الثقافية، من خلال استقطاب الطلاب الأجانب للدراسة، وتنظيم زيارات ميدانية، وإيفاد الطلاب إلى الخارج، لا سيما إلى الدول العربية، لاكتساب خبرات لغوية وروحية تُعزّز الانفتاح والتفاهم الحضاري.
هذه الرؤية لا تهدف إلى تسويق التعليم الماليزي فحسب، بل تتجاوز ذلك نحو بناء دبلوماسية ثقافية تمتد إلى عمق الوجدان، وتُعيد رسم موقع ماليزيا كبوابة حضارية إلى الجنوب العالمي. ويبرز نموذج جامعة المدينة العالمية (MEDIU) كمثال على هذا الطموح، فهي تحتضن نحو 3,290 طالبًا، يشكّل الأجانب منهم قرابة 90%. وهكذا، تصبح MEDIU أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية، بل نموذجًا مصغّرًا لعالم تعددي، تُجسّد عبره ماليزيا طموحها بأن يكون التعليم بوابة استراتيجية للقوة الناعمة.
تحديات وطموحات
غير أن هذا الطموح يصطدم بتحديات واقعية على الأرض، تشير إليها البيانات المتاحة، إذ رغم طموح ماليزيا لاستقطاب 250 ألف طالب أجنبي بحلول عام 2025، لم تستقبل سوى نحو 131 ألف طالب حتى عام 2023. هذا الرقم يسلّط الضوء على فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، ما يعكس وجود قصور في أدوات التنفيذ أو ضعف في التنسيق بين الجهات المعنية. لكنه لا يُختزل في فشل السياسات، بل يكشف ضرورة بناء منظومة أكثر تكاملًا تربط بين التعليم والدبلوماسية، وتنسّق بين القطاعين العام والخاص، ضمن رؤية استراتيجية تستثمر في التعليم كأداة للنفوذ الناعم.
ولتجاوز هذه الفجوة، يمكن التأمل في تجارب دولية نجحت في تحويل التعليم إلى رافعة دبلوماسية واقتصادية. تقدم أستراليا مثالًا بارزًا في هذا السياق، حيث أنشأت "مجلس التعليم الدولي"، وهو هيئة تنسيقية تجمع بين الجامعات، الوزارات، والسفارات الخارجية، بهدف توحيد السياسات وتسهيل التبادل الأكاديمي والثقافي. ساهم هذا النموذج في تحويل التعليم إلى أداة دبلوماسية فاعلة ومصدر دخل قومي مستدام. أما ماليزيا، فلا تزال تفتقر إلى هيئة مركزية تضبط إيقاع المشهد الأكاديمي وتنسّق جهوده على مستوى الدولة.
لكن هذه الاستراتيجية لا تكتمل دون مراعاة ما يُحيط بالطالب في بيئته اليومية. فالتجربة التعليمية ليست مقصورة على قاعة الدرس؛ بل تشمل السكن، الأمن، الرعاية الصحية، الدعم النفسي، ووسائل النقل. وتشير تجارب الدول الأخرى إلى أن توفير خدمات متكاملة، مدعومة بمنصات رقمية ذكية، يشكّل عامل جذب حاسم في قرار الطالب الدولي. وعليه، فإن الاستثمار في البنية التحتية الجامعية، وتطوير الخدمات الطلابية، بات ضرورة لا رفاهية.
وفي خضم هذه المنافسة الإقليمية والدولية لاستقطاب العقول، لا يكفي أن تمتلك ماليزيا مناهج جيدة أو بيئة أكاديمية متنوعة؛ بل ينبغي أن تتحول إلى مركز دبلوماسي ثقافي متكامل. وهذا يتطلب خطة وطنية واضحة المعالم، تنسيقًا مؤسسيًا محكمًا، دعمًا ماديًا ومعنويًا للبحث العلمي، تفعيل برامج التبادل الأكاديمي والثقافي، وبناء شبكة خريجين فاعلة تشكل الذراع البشرية للقوة الناعمة الماليزية في الخارج.
التعليم كطريق إلى التأثير الحضاري
لا يُقاس نجاح التعليم بعدد الطلاب أو العوائد الاقتصادية فحسب، بل بجودة العلاقات الثقافية والإنسانية التي تُبنى خلال الدراسة وتستمر بعدها. فبعد عرض التحديات واقتراح الحلول، تظهر أهمية التأكيد على أن الربح الحقيقي يكمن في الأثر المعنوي والبشري طويل المدى. هذه الروابط تمثل صلات دبلوماسية ناعمة تُعزّز الحضور الماليزي عالميًا.
وكما قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: "القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في القدرة على التأثير وبناء المعرفة". وهذا بالضبط جوهر المشروع الماليزي: التأثير لا يُفرض، بل يُكتسب حين تصبح القيم الماليزية—من تعددية، وانفتاح، وتميّز—جزءًا من التجربة اليومية للطلاب الدوليين.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز وطني لتنسيق الجهود التعليمية والثقافية، وتفعيل برامج التبادل، واستثمار طاقات الخريجين كسفراء دائمين لماليزيا. عندها فقط، تتحول الجامعات إلى أدوات دبلوماسية ناعمة ترسم ملامح الحضور الدولي، وتفتح أبواب المستقبل حيث لا يكون التعليم نهاية المطاف، بل بداية لمسار ممتد من التأثير الحضاري والتغيير العالمي.
