مآلات الايحاء الذاتي السلبية ودور الثقافة المتشبعة بالاوهام والخرافات في بلورتها

في هذا المقال المبسط اود ان القي الضوء على الايحاء الذاتي واثره السلبي والايجابي على الفرد, وسنستعرض بعض المراجع المعللة لبعض العلل النفسية لدى البعض الذين يتميزون بخصائص ذهنية او نفسية قابلة للايحاء. و سنشير الى ملخصات بعض الدراسات  والابحاث التي تؤكد ان الايحاء الذاتي قد يدفع بالفرد اما الى المرض النفسي او النجاح, وسنتناول كيفية  ان الثقافة بشكل عام  قد تلعب دورا بارزا في اذكاء مفاهيم غيبية معينة لدى الفرد (خاصة لمن لديه تكوين شخصي او سمات شخصية قابلة للايحاء) ما قد يسفر عن استحواذ هذه المفاهيم على تفكيره وبالتالي الدخول في صراع نفسي (هوس, وسوسة, شكوك) يؤدي به الى المرض. وسنعرج على دراسة حديثة حوول التكوين الكيميائي للدماغ اثناء المرض وضرورة التداوي بالعقاقير الطبية التي تعيد توازن كيمياء الدماغ حتى يعمل بكفائة عالية. 

وقبل ان نعرف ونغوص في تفسير وشرح "الايحاء الذاتي" يجب ان نراجع بشكل مقتضب عمل الدماغ واهمية التنشئة المبكرة في بناءه واثر ذلك في تشكل السلوك المستقبلي للفرد.

اول من اكتشف مفهوم "العقل الباطن" هو عالم الماني يدعى كارل غوستاف كاروس,  متخصص في علم الوظائف "فيسيلوجي" قبل نحو  قرنين من الزمان.. وقد اقترح ان الانسان يمتلك عقل لا واعية كامنة  وراء العقل الواعي. وقد اتى لا حقا المحلل النفسي النمساوي الشهير سيغموند فرويد بنظرية  ان النفس البشرية ليست مركزا قائما بذاتها بل أن العمق اللاشعوري  هو المسيطر والمتحكم بها". وقال: "ان العقل الباطن هو مكان مظلم بعض الشيء وفيه يتم تخزين عواطفنا المكبوته وذكرياتنا المؤلمة, واوضح اننا ربما لا ندرك هذه التجارب  المخفية في اللاوعي غير انها تؤثر بقوة في تشكيل سلوكنا اليومي. واكد ان اللحظات التي يمكن ان تتجلى فيها هذه المشاعر المكبوته  قد تكون من خلال  نوبات الذهان والاحلام.

فرويد يرى ايضا ان تجاربنا وخاصة تلك المريرة كالحرمان العاطفي والمادي التي نمر بها في مراحل نمونا المبكر تبقى فاعلة في العقل الباطن, بمعنى ان سلوكياتنا تتشكل وفق هذه التجارب او ان انعكاس هذه التجارب تبقى تلازمنا وتؤثر في سلوكنا الى اخر العمر.. بمعنى ان بناء ادمغتنا يتم او يتشكل  وفق تنشئتنا المبكرة, وان تطويرا لمفاهيمنا لاحقا سوف يحدث لكن سيظل تغييرا مرتبطا بمدى سماح بنائنا الدماغي والمعرفي الذي تشكلا في الصغر للقبول بالتعديل من عدمه.

 مثال ذلك, ان الطفل الذي عاش في بيئة  مشحونة بالشجار والخوف فانه ولكي يتكيف مع هذه البيئة فانه قد يستمرأ الكذب كوسيلة للدفاع عن نفسه, هذا الطفل وبعد ان يصبح رجلا راشدا وحتى بعد ان يتلقى تعليما ومعرفة عاليتان فانه في مناسبات كثيرة لن يستطيع ان يتخلص من ممارسة "الكذب" او قد يطور مفاهيم جديدة كالمجاملة والمداهنة ولن يستطيع ان يتخلص من هذه العادة الا نادرا. غير ان هناك ابحاث تشير الى ان الانسان قد يستطيع ان يغير طريقة تفكيرة وسلوكه اذا ما اخضع لبرامج سلوكية علاجية تحت اشراف اخصائي نفسي عن طريق ما يعرف بـ "الايحاء".

الايحاء الذاتي وعلاقته بتصوراتنا وطموحاتنا وعللنا النفسية..

الايحاء الذاتي: يعني العملية التفكيرية التي تدفع بالشخص للقبول بافكار ومعتقدات واراء الاخرين دون بذل الكثير من التفكير. ومصطلح الايحاء الذاتي في علم النفس, هو عملية ذهنية  تخضع الشخص عن طريق الوعي او اللاوعي للقبول بالطرق او الافكار التي تزوده بالوسائل او القناعات التي تؤثر في سلوكه ومعتقداته وتصوراته.

بعض المعاجم تشير الى ان الايحاء هو اقتراح او تلميح او فكرة تنتقل للشخص من خلال الحواس المادية-السمع والبصر والشم واللمس او التذوق - أو مباشرة من العقل إلى العقل – وهذا ما يعرف بالتخاطر. والايحاء الذاتي، هو بطبيعة الحال اقتراح على الذات من قبل الذات نفسها, كـ "الوسوسة".

وقد لوحظ ان الايحاء الذاتي خاصية موجودة  لدى معظم الناس، لكن هناك من يصبح الايحاء لديه مؤثرا جدا بحيث يصبح اسيرا لما يقال له او يوصم به حتى لو كان ما قيل فيه ليس الا مجرد مزاح او مداعبة. وهذه احد مخاطر الايحاء وبمساعدة الايحاء الذاتي لدى البعض الذين يكون لديهم الاستعداد الذهني والنفسي للدخول في دوامة من "الوسوسة" التي في الغالب تنتهي بمرضهم نفسيا وعضويا.

  والحقيقة ان الايحاء الذاتي اصبح مقبولا بشكل عام لدى الاكاديميين النفسانيين, وهم يرون على سبيل المثال, انه ومن خلال الايحاء الذاتي نستطيع ان "نكون ماذا نريد", فنستطيع عن طريق الايحاء الذاتي تغيير مستقبلنا الى الافضل, دعم استقلاليتنا, تغيير مظهرنا. ونستطيع كذلك معالجة انفسنا من الالام والامراض والعلل النفسية, وفي حالات اخرى قد نستسلم للايحاء الذاتي الذي انخرطنا فيه لان فلان من الناس اوحى لنا اننا عاجزين عن عمل "امر ما" لاننا عاجزين او محسودين او مسحورين  الخ, هنا تبدأ تلتهمنا افكارنا ومن ثم نقع فريسة ايحائاتنا التي ستطرحنا ارضا لنجد اانفسنا فعلا عاجزين عن تحقيق الهدف الذي ننشده, وهكذا نمضي ندير حياتنا بموجب ما يتردد في اذهاننا عن طريق ايحائتنا التي نصنعها بانفسنا او تصنعه لنا اذهاننا بالتناسق مع ما يفرضه علينا الاخرين..طبعا هناك فروقات ذهنية ونفسية  تجعل البعض اكثر عرضة للتاثر بالايحاء من غيرهم, يوضح وورسستر واخرين (1908) بقوله, ان كل البشر يقعون تحت تأثير عواطفهم وكذلك علاقاتهم مع الاخرين, لكن درجة التاثير تكون اقوى لدى البعض من غيرهم, فهناك مكونات او سمات شخصية ايجابية مهيمنة ترى ان مهمتها في الحياة هو للتأثير على الاخرين, وفي المقابل هناك المتقبلين الذين يسهل انقيادهم وهم في الغالب ذو طبيعة سلبية لديها استعداد طبيعي للتأثر بما يملى عليها. لذلك, يرى انه في عالم اللاوعي هناك بعض الاشخاص يكون لديهم استعداد نفسي او ذهني يجعلهم اكثر عرضة للتاثر بالايحاء واخرين لا يعتبر الايحاء مؤثرا البتة. وهذه في رايي اشكالية مجتمعية-ثقافية خطيرة, يقع ضحيتها  الافراد الذين لديهم استعداد ذهني لتقبل الايحاء الذي قد يدخلهم في دائرة الصراع مع الافكار او الوسوسة المؤدية الى مختلف الامراض النفسية.

 من الظواهر المثيرة للاهتمام تلك التجارب التي توضح  كيف ان طبيعة تفكيرنا من حيث المبدأ قد تساعدنا في التشافي او المرض. ووفق شيرلي وانغ, فان العديد من المرضى الذين اخضعوا للمعالجة بواسطة  استخدام ما يعرف بـ الطب التحقيقي, وعن طريق ما يسمى بجرعات "الوهم" اوجرعات "البلاسبو", وجرعة الوهم تتكون من مواد غير نشطة، مثال ذلك "ماء عادي" تم وصفه للمرضى الذين يشكون من امراض معينة, وقد صرف لهم دون علمهم بحقيقة مكوناته, بمعنى انهم اخذوه كدواء حقيقي. وقد لاحظ  الاطباء من خلال التجارب الميدانية الحقيقية للكثير من المرضى الذين تناولوا جرعات "الوهم" انهم اقد تشافوا تماما, وتفسير ذلك وفق وانغ, ان  المرضى ببساطة استعملوا مخيلاتهم بشكل ايجابي  (الايحاء الذاتي)والتي بدورها منحتهم القوة للسيطرة على انفسهم وبالتالي التعافي الكامل.

,وفي جانب متصل اشار  شيرلي وانغ الى حادثة وقعت  في صباح خريف عام 1998, وذكرت,  ان احد المعلمات في مدرسة تينيسي لاحظت رائحة  غاز ينبعث من مكان ما في الفصل الذي تدرس فيه, وقد شعرت بالدوار والغثيان وكذلك حدث لبعض طلابها. وذكرت انه قد تم نقلهم  بواسطة سيارة إسعاف إلى مستشفى قريب. كما ان الموظفين المعنيين والطلاب الذين شاهدوا زملائهم اصبحوا هم ايضا يعانون من مشاعر الغثيان والدوران. وقد اجتمع في غرفة الطواري في ذلك اليوم 100 شخص كلهم يعانون ذات الاعراض التي يعتقدون ان سببها تعرضهم للغاز. غير انه وبعد اجراء الفحوصات الطبية عليهم تبين انه لا اثر للغاز على حالتهم الصحية.

 "ما حدث هو مرض حقيقي، على الرغم من ان مسببه ليس جراثيم او ابخرة سامة", وفقا لجونز واو تيموثي، نائب الولاية  للاوبئة  في وزارة الصحة ولاية تينيسي.واكد انه لم يكن هناك عدوى, لكن بالتأكيد لقد تم انتقالها".  حسب وانغ. 

 وحسب الباحثة وانغ, فان هذه الظاهرة تعرف بـ مرض  "السايكوجنك الشامل", بحيث تنتقل اعراض المرض من شخص لاخر بين الناس الذين يشاهدون بعضهم البعض. "انت تمرض لانك رأيت شخص ما مريض"  وهو ما يطلق عليها حسب المراجع النفسية, "المرض النفسي الشامل": انتقال الافعال او المشاعر  عبر اللاوعي من شخص الى اخر  وهذه احد صور الايحاء الذاتي..

يعتبر البروفيسور اميل كوي الاب الروحي  المؤسس لنظرية  الطرق الذاتية المساعدة للايحاء.  ولديه سجل متكامل عن الحالات المرضية التي عالجها بواسطة "الايحاء الذاتي" الذي استخدم فيه تكرار المقولة البسيطة التالية, "كل يوم وفي كل الاحوال, انا اتحسن اكثر فأكثر". وقد تم تعديل هذه المقولة الى "كل يوم وفي كل شيء اصبحت افضل وافضل", وعلى الرغم من بساطة هذه الجملة لكنها مؤثرة جدا حينما تصبح مطبوعة في العقل الباطن.اميل كوي في كتابة بعنوان "السيطرة على النفس من خلال الإيحاء على مستوى الادراك" وفيه طريقة مبسطة (طريقة كوي) لمعالجة القضايا الصحية من خلال استخدام الاقتراحات التي قدمت مرارا وتكرارا على مستوى الادراك او الوعي, والتي من خلاله يتم تحويلها الى اللاوعي، وحينما يتم تفعيلها او استلامها في اللاوعي او العقل الباطن,  يبدأ بعد ذلك معالجة الاشكالية المرضية بواسطة العقل الباطن, ما يتيح للنفس طمأنينتها وبالتالي الشفاء, (كما هو موثق في كتابه الانف الذكر)

ويعتقد وورسستر, ان المبدأ النفسي الذي يعتمد علية الايحاء يعرف بـ التفكيك, أي تركيز العقل  على بعض الامور واستبعاد اخرى. ويمكن ان يمتد الى عزل العقل الباطن عن العقل الواعي, والحقيقة ان العقل الباطن هو العامل الاهم في معالجة او حدوث المرض وبناء عليه فان الايحاء يستهدف او يثير ويؤثر في العقل الباطن الذي كما يؤكد فرويد انه المسيطر على السلوك

ويضيف وورسستر, ان الايحاء ليس محدود بمعالجة المرض فقط, فقوته توازي الحياة نفسها. والدروس المهمة التي تعلمناها لم تعطى لنا بصيغة تعليمات موجهة-بل هي دروس مشبعة بالافكار المجرثمة  والتي تسقط على  عقولنا,  كالبذور  التي تسقط على التربة المهيئة لها,والتي يقوم العقل بأعتمادها وتحويلها او تحريفها الى ان تنتهي  بتحويلنا.

وورسستر يؤكد ان الشفاء عن طريق الممارسة العلاجية يعتمد على الايمان, فمها تكن الوسيلة المستخدمة للعلاج, فان نجاحها يتوقف على ايمان المريض, وعلى قناعته  بأهمية المعالجة عن طريق الايحاء.

ذكر وورسستر ان "المراق" وهو احد انواع مرض الاضطراب النفسي الذي يحدث للانسان نتيجة للايحاء الذاتي. ويشرح ذلك انه  حينما نشعر مثلا بعدم ارتياح او يعترينا التعب او الشعور بالالم البسيط في عضو معين في اجسامنا, فان هذه الاعراض الطارئة قد تثبت في ادمغتنا  فكرة الاشتباه باصابتنا باحد الامراض, مثل داء الرئة او القلب او الكلى..الخ ولان عقولنا ركزت على هذه الاعضاء فمن الطبيعي ان نشعر بأضطرابات وظيفية خفيفة طبيعية وهي تحدث باستمرار لكن تركيزنا اظهرها بشكل مختلف, ومن هنا تبدأ اذهاننا في صناعة المرض للعضو الذي اصبحنا نشتبه فيه رغم سلامته, هذا الانحراف من حالة طبيعية لبعض الوظائف العضوية الى حالة مرضية يتم نتيجة الانتباه او المراقبة المستمرة لفترات طويلة  المتمركزة حول العضو المحدد.

والحقيقة ان الدكتور وائل أبو هندى قد كتب مقالا علميا  متميزا  بعنوان- اسباب الامراض النفسية- (2003),  وقد ذكر حقائق علمية حول عمل الدماغ وارتباطه بالامراض النفسية حيث ذكر  في المقدمة " أصبح الكلامُ عنْ أسباب المرض في الطب النفسي مختلفًا بشكْلٍ ملفتٍ في السنوات الأخيرة، فبعد أن كانَ الأمرُ متعلقًا بالتفسيرات التي تقدمها مدارس علم النفس المختلفة، أصبحَت التفسيراتُ المعاصرةُ متعلقةً بالتغيرات الكيميائية وربما التركيبية في المخ" طبعا، اختلف مع الدكتور ابوهندي في مسألة ان التغييرات الكيميائية كانت هي السبب المباشر للامراض النفسية, فالواقع ان ما استعرضه من حقائق حول عمل الدماغ والتغيرات الكيميائية المصاحبة هي حقائق علمية  لكن ليست السبب المباشر في المرض النفسي, وقد يكون  خانه التعبير, فالواقع ان الشروحات المصورة لعمل الدماغ التي اوردها لا تشرح عمل الدماغ للمريض قبل وبعد الاصابة بالمرض, بل كانت مقارنة بين مرضى واصحاء, اذا   هي تشرح كيف يعمل الدماغ وقت المرض فقط ولذلك لا يمكن ان نقول انها المسبب في المرض, فالاكتئاب مثلا, لا يحدث للانسان فجأة بل قد يبدأ منذ الطفولة لاسباب بيئية-تنشئة-, او نتيجة تعرض الفرد لضائقة مالية في الكبر, هذه الضائقة المالية تشل تفكيره وقدرته على التكيف مع متطلبات اسرته  ومع  واقعه الذي لم يعد يطيقه, ولذلك فانه سيدخل في مرحلة الاكتئاب بالتدريج وسيكون للايحاء  الذاتي دور كبير في بداية و تفاقم حدة الاكتئاب لاحقا.

غير ان الدكتور ابوهندي استعرض بشكل مفصل في مقاله المميز كيف ان الامراض النفسية بحاجة الى تدخل دوائي كشرط اساسي في العلاج, فهو يشير الى : " أن انتصارات الأدوية المتتالية وتراكم الأبحاث المتلاحقة التي تثبتُ وتعيدُ إثبات أن الخلل الكيميائي موجود في مرض معين وأن الدواء المعين يصلح ذلك الخلل فيحسن حالة المريض النفسية، كل ذلك يجعل صوت الدواء هو الغالب".

الخلاصة

تذكر المراجع العلمية النفسية ان هناك اكثر من 100 مرض نفسي معروف حتى الان, وان الايحاء الذاتي قد يفاقم من حدة اعراض المرض لدى الافراد الذين لهم تركيبة دماغية معينة وبالتالي لها سمات شخصية قابلة للايحاء الخارجي, ويؤثر الايحاء لدى هؤلاء  بحيث  تصبح كلمة معينة  بمكانة "الشرارة" التي تقدح في الذهن بداية سيطرة فكرة سلبية معينة  الى ان تصبح جزء اساسي من التفكير او محور التفكير " الاستحواذي الاستلابي"  الذي ينهك الفرد ويجعله صريعا للوهم او الوسوسة الموصلة للمرض النفسي.

ولاننا نعيش في وسطا ثقافيا مشبعا بالكثير من القصص والروايات ذات المصادر الغيبية والتي قد تشكل خطرا كبيرا لدى البعض عن طريق الايحاء, فمثلا, حينما نعرض فلذات اكبادنا على مشاهد او مواعظ  تتحدث  عن المس بالجان او السحر او العين او الحسد, او نأخذهم الى معالجين ورقاة ينقصهم الكفاءة والمهنية النفسية والادراك بكيفية التواصل الامثل للمرضى الذين تستحوذ افكارهم  وساوس واوهام نتيجة تعرضهم لمكونات او ايحاءات ثقافية خارجية ولان لديهم التكوين الذهني المتقبل لهذه الايحاءات,  وبدل ان يعزز الراقي  لديهم ثقتهم بانفسهم بهدف طرد تلك الوساوس والاوهام, واذا بهم يؤكدون  لمرضاهم ان عللهم التي يشكون منها لا تخرج عن مكونات المجتمع الثقافية السائدة, مثل "العين" او "السحر" او "الحسد" او "المس". وهنا يكون دورهم دورا سلبيا سيفاقم من حالة مرضاهم كونهم يعززون لديهم بعض الايحاءات النفسية التي اوصلتهم الى هذه الحالة المرضية.

والحقيقة وكما ذكرنا انفا ان هناك اكثر من 100 نوع من الامراض النفسية, ولان هذه الامراض غير معروفة للرقاة التقليديين فانهم في الغالب يرجعون هذه الامراض لغيبيات مستوحاة من مواقف او مرئيات دينية قد تكون صحيحة في زمن معين او انها حدثت بالفعل لكن في سياق احداث تاريخية معينة  ولا يصلح تعميمها, ومن هنا تصبح المعالجه والتشخيص  بهذه الصيغ التقليدية اشكالا صحيا ونفسيا واجتماعيا غير مقبول , وان اضرار هذه الممارسات التطبيبية التقليدية ستتعدى التاثيرات السلبية للبعض الى الحاق الضرر الجسيم بالدين نفسه نتيجة تطور وسائل المعرفة واثر ذلك على التصور المجتمعي المؤسس على مثل هذا التعاطي الغير علمي . اضف الى ذلك ان المراحل المتأخرة للمرض او حينما يستفحل فان المريض قد لا يسعفه التدخل العلاجي لاحقا.

الحقيقة نحن بحاجة الى تطوير مفاهيمنا حول الكثير من الاشكالات التربوية والنفسية ذات الاصول التراثية او الدينية, وادعوا صادقا مفكري الاسلام اليوم الى مراجعات سريعة وعاجلة حول الكثر من تلك المفاهيم, والى اهمية الاستشارات الطبية النفسية وضرورة عرض المرضى الذين يعانون من امراضا نفسية  الى خبراء واستشاريي الطب النفسي,   خاصة وان اعداد الرقاة الغير مؤهلين للتعاطي مع مرضى النفس في تزايد وهذا يعكس حقيقة ارتفاع معدل الامراض النفسية خاصة في القرى والهجر.

ولعلي اختم بالمقولة التالية حول التفكير الايجابي, " اننا من خلال تعلم مهارة وفن الايحاء الذاتي فاننا نستطيع السيطرة على سلوكياتنا وطريقة تفكيرنا المتشائمة او المترددة التي قد تخلق في اعماقنا الكثير من الحواجز والعقبات, و التي قد تحول دون تحقيق نجاحاتنا التي نسطيع تحقيقها بقدراتنا وامكاناتنا الراهنة", طبعا المحيط الاسري او البيئة بشكل عام قد تكون محفزة  للعمل والانتاجية والابداع وقد تكون مميتة للحس والنشوة البشرية المتطلعة لتحقيق طموحاتها وانجازاتها..

د. سالم موسى القحطاني

النشر 2017