ما معنى التوبة ؟! ذاك ليس سؤالًا صعبًا، فالفقهاء يقولون عنها بأنها خليط من الندم والاستغفار والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه.

لكنّ ثمة بعدًا آخر للتوبة، يتجلى في أحاديث نبوية مثل: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"، ففي هذا الحديث تبدو التوبة وكأنها (غاية)، من أجلها يُفني الله جنسًا من البشر لا يذنب ولا يستغفر، ليستبدله بآخر يذنب ويستغفر !

ألا يبدو ذلك متعارضًا مع تعاليم الإسلام التي تدعو إلى البعد عن المعصية ؟! 

من هذا السؤال ندخل إلى فهم واسع جدًا للتوبة .. وهو فهم لا يختزلها في الآراء الفقهية، وإنما يجعلها شكلًا من أشكال الاتصال بين روح الإنسان ومصدرها، بين مقر امتحانها ومورد الفصل في شأنها، بين عالم الشهادة حيث الشهوات والمطامع والغرائز الجامحة والمثيرات من كل شكل ونوع، وعالم الغيب حيث القدسية والعلو والرحمة التي وسعت كل شيء.

التوبة بهذا المعنى، مناسبة للتواصل بين العبد وربه قوامها مشاعر الندم والخوف والرجاء والانكسار والشعور بالخزي، وطقوسها البكاء والاستغفار والتذلل طلبًا للعفو والمسامحة والعون من الله العلي القدير على شهوات النفس وملذاتها.

التوبة بهذا المعنى، غاية من غايات الامتحان الرباني للإنسان في الحياة الدنيا، ومقصد من مقاصد الخلق الذي ركب في الإنسان غرائزه الجامحة التي لا قِبَل له بها، إلا بحبل وثيق العرى من النور يصله بعالم الغيب ليقويه في مواجهة نفسه، فإذا تهتكت عروة من عرى هذا الحبل كانت التوبة له صيانة وحفظًا، وهكذا لا تتوقف هذه الدورة؛ لأنه لن يكون للوجود الإنساني بعظمته وفرادته وسعة الحكمة الإلهية الكامنة خلفه، داعٍ بدونها.

وهكذا يُمكننا أن نفهم التوبة في ضوء الحديث الذي كان مستهل رحلتنا هذه ... !