سرية عبد الله بن جحش

2

تغيب سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان في سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، وطلبت قريش افتداء أسيريها وكان رد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» - يعني: سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم.

إن توجيه اتهام لقريش أنها ربما كانت قد قتلت أسيرين لسرية عبد الله بن جحش برهان تقديم الاحتراس من عدو وذلك في مقابل أن إحسان الظن مقدم وحين يكون في جانب التعامل مع المسلم والأصل انه ولي له حق التماس الأعذار ومنه قاعدة إحسان الظن فيه، وهذا هو ديننا!

قدم ديننا الاحتراس من عدوه، على إحسان ظن به، ولأن العدو عادته المباغته، ويحمل غيظا، وحين قدم ديننا إحسان الظن في ولي الله؛ ولأن قلبه صاف راق يحمل ودا.

إن احتراس نبينا صلى الله عليه وسلم من قريش، وخشية أن تكون قتلت سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان صحابيان كان في سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، يعد مبدأ نفسيا وعسكريا في آن، ومن ثم وجب إعماله كيلا نؤتى على حين غفلة من أمرنا.

إن من فقه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه هو جواز القود من أسير الحرب؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» - يعني: سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم.

وإن من فقهها أيضا، جواز اتخاذ تدابير احترازية ضد العدو، ولأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أجل فداء أسيري قريش إلى حين التأكد من صاحبيه، عودة سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان.

وإن من فقهها أيضا، وجوب الوفاء بالوعد؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم قبل فداء أسيري قريش حين قدم سعد وعتبة سالمين، وكان قد خشي عليهما منها.

وإن من فقهها أيضا، جواز الوصية، ولقول عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه: من كان يريد الموت فليمض، وليوص، فإنني موص، وماض لأمر رسول الله ﷺ.

كان أسيرا قريش في غزوة عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه هما: الحكم بن كيسان فأسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وذلك بعد مقامه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الثاني هو عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا.

يا رسول الله: أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ هذا هو قول عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ طمعا في أجر أكبر، وحين نزل فيه قرآن يؤيده وسريته!

إنه ليظل المجاهد يترقى درجة إثر درجة، حتى يبلغ به أمره طلب الشهادة، والسهر عليها، دليل طمع عبد الله بن جحش رضي الله تعالى فيها، وحين عاد حيا منتصرا من سريته!

وما إن طلب عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه غزاة تمنحه أجر المجاهدين، إلا وأسعفه القرآن منزلا من السماء أنه قابل رجاءه رحمته تعالى بإنفاذه وبقوله  تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[ البقرة:218].  وهذا جواب قرآني حاسم، يهدي به الله تعالى باله، وبال من كانت سريرته سريرته!

ودعونا نتخيل قائدا كنبينا صلى الله عليه وسلم، وأولاء جنده، يدورون حوله، وهاهم أولاء يرجون الشهادة جميعهم! وماذا نحن قائلون إلا أن هذا رفع لمعنويات القائد فضلا عن غبطته بما رأى لا بما سمع.

إن القائد يكون أسعد لحظاته، وحين يصطف جنده  من أمامه، يطلبون الشهادة، جميعهم، ولا يتخلف منهم ولو واحدا! وهذا دلالة عمل هذا الدين في قلوبهم جميعا.

إن الذين يرجون الشهادة، إنما يرجون رحمة الله تعالى، وهو سبحانه من ثم يشيد صنيعهم، ويؤتيهم سؤلهم؛ ولأنهم﴿ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، إن الشهادة رحمة.

واستنباطا من قوله تعالى ﴿ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، ردا على طلبهم الشهادة، أن الشهادة نفسها وكلها رحمة، لا مجرد أنها سبب لها، وهذه بلاغة القرآن المجيد!

إن هذا الدين قام على أكتاف قوم، نذروا أنفسهم لله تعالى، حتى جاءنا كريما، مرفوعة هامته، سامقة قامته، أمانة في أعناقنا، على طريق أسلافنا من قبل.

وإذ نطلق على سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه (سرية الأولين)؛ ولأنه كان أول أمير فيها، وكان ابن الحضرمي أول قتيل فيها، وأول غنيمة كانت فيها، وكان عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون فيها.

إننا لا نساير قول من قال: إن قتل المسلمين لحضرمي قريش كان آخر جمادي الثانية، لاحتمال أن يكون كاملا، لا أول رجب، لاحتمال أن يكون ناقصا. وهو وجه على كل حال.

إن دفاع بعضهم عن قتل المسلمين للحضرمي وأنه كان آخر جمادي الثانية يدفعه القرآن، العظيم وحين قال ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾[البقرة:217]. ولو أن هذا كان علاجا لذلك، ما كان للآية السابقة من محل، والقرآن منزه عن ذلك ابتداءً.

إن ديننا وحين أجاز القتال في الشهر الحرام دفعا، وكيلا يتخذه العدو سلما لدحرنا، ونحن إذ قعود ونقول: لانقاتل في الشهر الحرام، وإن أتوا علينا!

وما كان لديننا أن يحرم قتالا في الشهر الحرام، إلا وحين أمن جبهته، فإن ظنها لا أمان - ولو لمجرد الظن - زأر ! وإن كان الشهر حراما ! حماية لبيضته، ودحرا لعدوه.

إنه لا يخرجنا خلاف أهل المغازي والسير حول عدد سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، وهم يومئذ سبعة أو ثمانية أو تسعة، عن أنه عدد قليل، وأن البركة فيه، ومن جميع جوانب البحث!

ولو لم يبق من سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، إلا خروجنا بقرآن، أشاد به، وصحبه معه، لكفانا؛ إعظاما لذلكم جيل، أقض مضاجع كفار عصره، وبسبعة أو ثمانية، ومن ثم يرجع كله سالما! دون كلم فيه، أو ثلم يكتويه!

وإن التاريخ سيقف معظما عملا، قام به عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، بسبعة أو ثمانية، كان من شانهم أنهم أثخنوا عدوهم، وغنموا أموالهم، وأسروا أسيرهم، وعادوا جميعهم، دون ولو جرح أحد منهم!

إن سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، عمل عسكري فذ، ووسام على صدور جيل، جابه الموت، بصدور مكشوفة، فكتبت سلامته ونصره معا! قلادة أخرى!

وإن الطاعات لتتوالد ! وهذا استنباط من سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، وحين تشوفت نفسه شهادة، من بعد نصر تكلله، يوم سريته، وحين طلب عملا جهاديا كانت نفسه ثمنه!

إن حجاجا قام سوقه أن استحلال نبينا للشهر الحرام قد وقع، زعم يبطله استحلالهم له كل مرة، وحين داسوا حرمته، وهم إذ يكيدون للمسلمين كيدهم، ليل نهار، سنة ماضية ! وماذا نحن أو هم قائلون، وحين طالبوا دم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن معه، آناء الليل وأطراف النهار، وغير مكترثين عما إذا كان لهم ذلك شهرا حراما أو حلالا؟!

إن حضورا ألفناه للصديق أبي بكر عز علينا ألا نراه كل مرة وإذ هو يفاجئنا إتحافا بشعر قال فيه ما لم يقله شعراء الزمان كله إشادة بسرية عبد الله بن جحش! ولما جاء منه:

تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد

صدودكم عما يقول محمد * وكفر به والله راء وشاهد

وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد

فإنا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالإسلام باغ وحاسد

سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد

دما وابن عبد الله عثمان بيننا * ينازعه غلّ من القيد عاند.

 .