كان فارساً مهاباً، لا يخشى شيئاً .. يخوض معاركه بكل بسالة وشجاعة ورباطة جأش. 

لم يكن يكترث لأحد ولا يخشى أحداً، حتى ظنه الجميع مخلوقاً من حديد ،وقد يكون كذلك!!

كان يستمد قوته من رفيق دربه الذي رباه على يديه وأنعم وتفضل عليه ، فصنع منه كل شيء بعد أن لم يك شيئاً. 

كان يظن أن الجميع سيخونه إلا رفيقه، يشك في الجميع ويحذر الجميع إلا هذا فهو تربية يديه. 

كان يعتبره بمثابة الدرع الذي يحمي ظهره حين يكون مشغولاً بحروبه التي لاتنتهي. وكان يلتفت كل مرة له مبتسماً ليطمئن عليه وهو واقف خلفه فلا يدري هل يبتسم إليه اطمئنانًا بوجوده أم اطمئناناً عليه. 

كان يفعل المستحيل ليرضيه فهو نديمه وصديقه وحبيبه والوحيد الذي يشعر بالراحة حين القرب منه. 

حطم الكثير من مبادئه ليرضيه، وتحامل على جراحه التي كانت تثقله ليقدم لرفيقه هذا كل ما يستطيع. 

جعله في أفضل حال وكان يهتم بأدق تفاصيله ليوفر له عيشة طالما حلم بها الجميع وحسدوه عليها. 

وبالمقابل لم يكن يجد من رفيقه هذا ما يدل على أنه يبادله نفس المشاعر، فهو الذي كان يعطي بلا حدود وبلا قيود بينما يجد صديقه يبخل بأقل مما يستطيع، لم يكن يبالي فقد كان يجد له الأعذار ويبرر كل تصرفاته التي باتت تدل على تعمد الإيذاء وتحين الفرص للقضاء عليه. 

فقد رآه ذات مرة وهو يتسلل من خلفه ليطعنه، فلما التفت أنكر ما كان يريد فصدقه لأنه لا يريد أن يصدق، ووجد له عذرا ومضى. 

توالت الأحداث التي باتت عيانا بيانا، وفي كل مرة يسأله ما الذي تخفيه؟ وكان يرد بمكر وحيلة ودهاء ويدعي السذاجة والغباء، فكان يعذره على غبائه المزعوم ويرأف بحاله. وما انفك عن تقديم العطاء اللامتناهي له لدرجة أن صاحبه هذا ملّ منه العطاء وصرخ في وجهه لقد كرهت منك كل شيء. 

ومع هذا لم يغضب منه فحمّل نفسه مسؤولية غضبه وأخذ يستفسر منه ويستوضح ما الذي دعاك لقول هذا؟ فمارس سذاجته المصطنعة وغباءه المزيف، فصدق المسكين. فقد كان ملاذه الوحيد وملجأه الآمن رغم كل تصرفاته الحمقاء التي لم يعد يفهمها. 

حاول الكثيرون كسب وده والفوز برفقته والهناء بصحبته ولكنه كان مخلصاً لرفيقه هذا مع أنه كل يوم يكرر على مسمعه اذهب وخذ خليلاً غيري فقد مللتك. 

لم يكن يأخذ كلامه على محمل الجد فقد كان يغط في سبات عميق وفي غفلة كادت أن تقتله، بل أنها قتلته. 

مرارًا وتكراراً يرى الجفاء عياناً ويجد له مبرراً، حاول مناصحته ولكنه لم ينتصح، حذره من الرحيل ولكنه لم يحذر، بل تمادى في قتل كل جميل وتحطيم كل ود وقطع كل حبل يمده إليه. 

ومع هذا لم يستطع أن يترك صحبته، فقد كان يشكي منه إليه ويبكي بين يديه كالطفل الصغير وهو الذي يهابه الفرسان ويخشاه الشجعان. 

مضى على حاله سنونا لم يعدّها، سقى صاحبه فيها زلالًا بينما سقاه صاحبه فيها علقماً. 

لم يكن يعرف ما سر هذا الضعف أمام هذا المخلوق ولكنه كان يستمتع به ويأمن له، وربما كان يراهن عليه أنه رفيقه الوحيد وصديقه المقرب. 

وبعد كل هذا لم يفكر يوماً أن يغدر به أو أنه كان ينوي فعلا قتله ولكنه حصل المحظور ودفع ثمن غبائه. 

ذات يوم وهو مشغول بحروبه الهمجية التي لم تجلب له إلا الضياع كان يلتفت في كل مرة إليه ليطمئن عليه لا به وهو يحمي ظهره من طعنة غادرة. 

ولكن كانت المفاجأة التي لم يكن يحسب حسابها أو تخطر له على بال، فقد قام رفيق دربه ومن أحسن إليه دهراً فباغته بخنجره المسموم الذي نقعه في السم طويلاً -والعجيب أنه هو من اشتراه- فطعنه طعنة نفذت على قلبه فقطعت آخر حبال الود التي كانت له فيه.. 

فخر صريعاً يسبح في دمه ويلفظ أنفاسه الأخيرة ورفيقه واقف على رأسه ممسكا بخنجره المسمومة تلك، مبتسماً نفس ابتسامته الساذجة ومتظاهراً ببراءته المزيفة وحماقته المصطنعة. 

وبينما هو كذلك فقد اكتشف بما لايدع مجالا للشك أن رفيقه هذا كان يدس له السم في العسل إذ أنه على علاقة وثيقة مع عدوه اللدود وقد كان يأخذ منه كل شيء ويعطي عدوه كل شيء، يحرم من أحسن إليه حتى كلمة ثناء أو مديح ويعطي عدوه كل كلمات الحب والإجلال والتقدير والتعظيم، وفَعل له مالم يحاول فعله لصاحبه يومًا حتى ظن صاحبه المغدور أن المسكين عاجز عن العطاء. 

المشكلة أن هذا البطل المغوار يستطيع العيش دون صاحبه المزيف ومع هذا يقول في نفسه لو تركته لضاع ولن أتحمل أن يضيع. 

وما زال يفكر في نفسه.... 

ماذا لو نجوت من طعنته المسمومة هل أستطيع الخلاص منه أم أني سأصدق كذبه مرة أخرى ؟! 



✍️أبو نواف 

١٠ شعبان ١٤٤٢