المدرسة العمومية المغربية شبيهة ب '' قاعات الإعدام '' اليوم وأنا أرى أطفالا يحملون حقائب ثقيلة ويتوجهون في الصباح الباكر إلى المدرسة كسجناء عائدين إلى زنازينهم بعد انتهاء الاستراحة القصيرة تحت الشمس، أشيح بوجهي عنهم، أعرف كل تلك الكآبة التي تنتظرهم داخل الأقسام، خصوصا في فصل الشتاء، حين ينزل المساء باكرا وتدخل العتمة من نوافذ المدرسة المكسورة، ويشعل كسول مصباح الكهرباء ذا الإضاءة البرتقالية الباهتة، ويكح المعلم. لقد خبرت تلك الكآبة جيدا وبسببها حفرت أولى قصائدي على الطاولات بالبركار. أشيح عنهم بوجهي حتى لا أبكي شفقة عليهم.
احتجت سنوات طويلة بعد خروجي من سجن المدرسة، احتجت إلى سنوات طويلة لأتقيأ ما تعلمته فيها، وقد كان التقيؤ أكثر صعوبة وإيلاما من البلع. لكني رغم ذلك كنت كل مرة أدخل سبابتي داخل فمي حتى تلمس بلعومي فأتقيأ المدرسة بطاولاتها ومعلميها ونوافذها المكسورة وطباشيرها الشبيه بالطحين وأناشيدها العسكرية وكتبها الجديدة المغلفة التي تشبه رائحتها رائحة فقدان الوعي ورائحة الصمت والكآبة والموت على الطريق ورائحة غرف الإنعاش. 
لم أرتح إلا بعد أن تقيأت كل شيء. عندها فقط ارتحت وعادت إلي الحياة والحرية والرغبة في المعرفة، فأحسست بجوع رهيب تجاه القراءة الحرة الممنوعة، والمكتبات. 
وفي النهاية، ما الذي يتعلمه الأطفال من المدارس؟ سيتعلمون أن يصيروا بيادق مطيعة، وجنودا، وقططا منزوعة الأنياب، مقلمة الأظافر وجاهزة لاستهلاك أي شيء دون هضمه. كل دول العالم ترسل أطفالها إلى المدارس والنتيجة بعد قرون على ذلك هي: عالم حديث مسيخ مشوه لا يطاق إلا بالمهدئات.
يتعلم الطفل في المدرسة باجتهاد كل ما يجعله في النهاية بيدقا صالحا للتموضع بسلاسة واستسلام على رقعة شطرنج المجتمع والدولة والقانون. إنها سنوات طويلة من التعذيب المخابراتي والعقاب المستمر والانضباط المخيف وكوابيس الامتحانات والحفظ والاستظهار والاستيقاظ باكرا كجنود من دون رتبة والعودة جائعا ومتعبا وشاحبا كالكلاب الضالة بعد مسافات لانهائية تقطعها ذهابا إلى المدرسة دون معنى واضح ومقنع.
أعود الآن بذاكرتي لأفهم رفضي الدائم للمدرسة فأجد أن مصدره هو حنيني الجيني الطبيعي الحر إلى الحقول، الأنهار، وادي الذهب، الأسماك التي تطفو فوق الأمواج، الجبال، الصحاري الخاوية والغابات. ذلك الحنين الساحر الذي وحده يعلمني أخوّة الكائنات