صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينأحدث المقالات
Oktob
صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينأحدث المقالات


عن أكتبتواصل معناشروط الكتابةسياسة الخصوصية

اكتب © 2026

/أحدث المقالات/حقاً عظماء
م
محمد محمود درويش

مع المحبرة إلى المقبرة..

مدة القراءة: 5 دقائق

حقاً عظماء

حقاً عظماء..


كثيراً ما قرأت في كتب السير والتراجم المطول منها والموجز، وقد كان من حسن قدر الله بي أن كانت هذه النوعية من القراءة هي أول عهدي بالقراءة ككل، وقد شغفت بهذا النوع أيما شغف، حتى صنعت بي هذه التراجم في تلك الفترة ما جعلني انقلب من حال إلى حال أخرى مختلفة تماماً عما كنت علليه. فوجدت من حالي –وبتعبير ابن القيم- شعاري الصبر وراحتي التعب. ولا عجب فقد قرأت في هذه السير ما يقترب من الأساطير إلا أنها ليست بالأساطير.

لم تنقضِ قراءتي من هذه التراجم حتى وجدت نفسي مولعاً بأشخاص ملأوا عليّ نفسي حباً وإعجاباً وتقديرا. هم أشخاص كثر، ولكن ثلاثة منهم تركوا في نفسي ما لم يتركه غيرهم، وأثاروا بي ما لم يقدر عليه غيرهم. الغزاليُ وابن حزم وابن تيمية. أحسبهم قد تجاوزوا كلمات المدح التي تحط من قدر العالي لتضعه في خانةٍ واحدة مع غيره ممن يوصف بوصفه، ممن لم يبلغ شأوه ولم يحذو حذوه ولم يفري فريه. وأقل ما استطيع أن أٌقول فيهم أنهم سموا حتى بلغوا النجوم.

وقد تبدى لي بعد طول نظر وكثرة ملاصقة –معنوية- لهؤلاء العظماء، أن فيهم وصفاً مشتركاً وعقلاً مقترباً.

 فقد وجدتهم يجمعون عدة خلال، فقد بذوا أهل زمانهم علماً من حقل علمهم نفسه. فقد برع علماء الإسلام بعلوم عدة يأتي على رأسها الفقه وأصوله والكلام والتفسير والحديث واللغة والتاريخ والأدب. وقد كان لهؤلاء النصيب الوافر منها.

 فالغزالي فاق كل من عُرف في زمانه حتى كان المقدم عند نظام الملك وفي المدارس النظامية لما رأى منه حسن مناظرة وسداد منطق ورجاحة عقل وقوة حجة. وهو من قال فيه أستاذه الجويني: "لقد دفنتني وأنا حي".

وكذلك ابن حزم فلم تر الأندلس في زمانه رجلاً بلغ ما بلغه هذا الرجل الذي أوصله عظيم علمه أن يشمخ بأنفه وأن يزدري أئمة المذاهب أنفسهم وأن يخرج عن طور التقليد متجاوزاً المذاهب إحاطةً ونقداً حتى وصل به الحال أن أحيا مذهباً قد اندثر وعاف عليه الزمان. وشيد أعمدته على أسس راسخة جعلته يقاوم الزلازل إلى يوم الناس هذا. وهذا ما أوغر عليه صدر علماء ذاك الزمان ممن لم يبلغ شأوه، أن يدسوا به عند السلطان الذي سمع وشاية الواشين الكاشحين، فأحرق كتبه، وجعله يضطر للخروج من إشبيلية، فكان كما قيل، لا يجني على المرء إلا يده، ومع ذلك فقد بقي صاحب نفس شامخة وروح متمردة وعزة نفس لا تنكسر، وقال:

فإن تَحرقوا القِرطاسَ لا تَحرقوا الذي       تَضمَّنهُ القرطاسُ بل هو في صَدري

يسيرُ معي حيث استقلتْ رَكائِبي             وينزلُ أن أنزلُ ويُدفنُ في قَبري

دعوني من إحراق رقٍ وكاغدٍ               وقولوا بعلمٍ كي يرى الناسَ بَدري

وكذلك ابن تيمية فقد كان مكتبةً عظيمةً راسخة الأركان تمشي على الأرض لا يُنفذ قعرها ولا يُنزف غمرها، لم يترك علماً من علوم الدين إلا وبرع به وكان له فيه قوة مذاكرة وبعد نظر وحصافة رأي، فقد برع في الفقه وأصوله والتفسير وأصوله والحديث وعلوم اللغة والعقيدة والكلام والتاريخ وما لا يحصى. حتى بلغ في ذلك ما لم يبلغه أحدٌ قبله إلا أهل العصور الأُوَل، إلى جانب تدين عظيم وزهد وورع، وهو من قيل فيه: " إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث" وهو الذي قال فيه تلميذه الذهبي:" لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت : إني ما رأيت بعيني مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه"، وهو من حارب الجمود الفقهي والتقليد الأعمى  فتسبب له ذلك في عداوات دائمة متجددة، حتى أوصلته للسجن بضع مرات ليقضي حتفه وهو في سجنه.

على أن عجبي لم ينقضِ عند هذا، فقد رأيت فيهم ما جعلني أُدمن التفكير فيهم، في عقولهم وأحوالهم. لقد زاد إعجابي بهم أنهم لم يكتفوا بهذا بل كأني بهم يقولون بلسان حالهم: " لقد جمعنا علم الشريعة والثقافة الإسلامية فحري بنا أن نجعل ذلك ركن متين نرتكن إليه لنطّلع على علوم الغير بعين الناقد الباحث عن الحكمة فهي ضالة المؤمن أن وجدها فهو أحق بها" وقد كان ذلك، فهم ولا ريب الفلاسفة العظماء والمناطقة الحكماء، الذين قلبوا الطاولة على أهلها.

 فالغزالي من جعل الفلاسفة يتهافتون أمامه، فنقدهم نقداً إسلامياً أتى عليهم فيه بالجملة فكان فيلسوفاً إسلامياً ملأ العين والبصر. وابن حزم الذي أشبع الفلاسفة نقداً بل وتجاوز ذلك إلى نقد الأديان فألف في ذلك الكثير وذبّ عن حياض الإسلام بسيف لسانه وقلمه وهو العضب اللسان. وابن تيمية الذي وسع مدارك العقول ونقد المنطق الذي ضيقها وأعلن إعلانه الصريح أن المنطق صنعة يونانية، كفتنا لغتنا العربية مئونة تعلمها، فملأ الدنيا وشغل الناس بنقده ذاك.

ولمفارقات العظمة فإنهم لم يكتفوا بالعلم وحده فشفعوا ذلك بالعمل. فهم من جعلوا كتّاب السير يخرجون من سآمة التدوين العلمي النمطي إلى النمط المغامراتي الشيق الممتع المليء بالعبر والدروس بسيرهم تلك.

 فلا يخفى على مثقف أو قارئ ذاك الرحالة الذي جاب عوالم العقل والروح حتى وصل إلى ما رآه الحق. الغزالي الذي روى لنا في منقذه من الضلال كيف شكّ في كل شيء، وتنقل بين مدارس الفلاسفة والمعتزلة والباطنية والصوفية، وكيف عاش كل حال من أحوال هذه الطوائف في قصة أقرب ما تكون إلى الروايات الخيالية، فكانت رحلته رحلة إلهام لأجيال وأجيال من بعده إلى اليوم، حتى صارت في يومنا موضةً فكريةً، فكيف لا أُعجبُ بهذا الباحث الذي لم يلبث يجاهد نفسه في البحث عن الحق في رحلة دامت عقود.

وكذلك قد عرفت الناس ابن النعمة والسلطان، من عاش في كنف الخلفاء ورياض الأندلس الزاهرة والجواري والخدم والعز والجاه. ابن حزم الذي هجر كل ذاك لما علم أنه لن يغني عن مشروعه الإصلاحي شيئاً، فطلق ذلك كله طلاقاً بائناً لا رجعة فيه وانكب على العلم والمناظرة والتأليف حتى كانت آثاره تنبيك عن أخباره، وأخباره تنبيك عن آثاره.

أما المجاهد الصادق والقاضي الذي لم تأخذه في الله لومة لائم، الذي أنقذ الأمة الإسلامية بفتاويه قبل سيوف المجاهدين فيمن استباح الأرض واحتل العرض وادعى الإسلام، ابن تيمية الذي كان في عزيمة صادقة وهمة عظيمة يعلن أنّ كفرَ المغولِ مسألةٌ لا يُستثنى فيها الخيار ولا يُستأنف فيها النظر، وقد كان يقول للناس: " إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحفٌ فقتلوني". حتى أنقذه الله به أمة كادت تهلك بفتاوى الجاهلين وخوف المرجفين.

وبعد ألا يحق لي أن أعجب بهؤلاء العظماء، وأتخذ منهم نبراساً لي، أضعهم نُصب عيني، أدين بدينهم، وأتوجه معهم أنّى توجهت ركائبهم؟.


م
محمد محمود درويش
1 متابِع0 يتابع

مع المحبرة إلى المقبرة..

مع المحبرة إلى المقبرة..

صورة ترويجية لتطبيق أكتب على الهاتف

انضم الى اكتب

منصة تدوين عربية تعتد مبدأ البساطة في التصميم و التدوين

التعليقات