رحلة التعافي من الذات
لقد بقينا حتى الآن نتحدّث عن الخسائر والهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحانَ الوقت لأن نبدأ الحديث عن الخسائِر والهزائم التي ألحقناها نحنُ بأنفُسِنا وستكون هذه بداية رُشدنا.
علي عزت بيجوفيتش
رحلة العودة إلي الذات
لم أكن أعلم أن أصعب رحلة يمكن أن نخوضها في حياتنا هي رحلة العودة إلى أنفسنا، أن نُفتش بين الفوضى، والخيبة، والضعف، والانكسارات، عن قلبٍ نقيّ كان يومًا ما يسكننا، قبل أن تُشوّهه التجارب، وقبل أن تتراكم فوقه طبقات من الخذلان.
الطريق نحو نفسي لم يكن سهلًا، لكنه كان يستحق كان مليئًا بالمشقة، بالليالي المظلمة، بالسقوط والتعثر، لكن في كل مرة كنت أختار النهوض، وأمدّ يدي لنفسي، وأقول: "أنا معكِ أنا التي تتألّم وأنا التي تُريد أن تتعافى".
أنا لم أستيقظ ذات صباح لأجد نفسي قد تغيّرت فجأة، أو أنني أصبحت أكثر وعيًا ونضجًا بلا ألم أو صراع بل كانت الرحلة طويلة قاسية مُنهِكة، أشبه بمعركة بين نسختي القديمة وتلك الأخرى الجديدة التي تتشكّل داخلي، تُقاوم لتولد وتتنفّس، رغم كل ما كان يجرّها للوراء.
نسختي القديمة أطلقت عليها هذا الأسم لانها لم تعد تنتمي إلي، النسخة التي كانت تُغريني بالهروب، بأن أضيّع وقتي في أشياء لا تُسعدني، في علاقات لا تُشبهني، فقط كي أشغل نفسي عما لا أستطيع مواجهته، كنت أهرب منها هي بالتحديد، لأنها لم تكن تشبهني، لم تكن أنا، كانت نسخة مشوّهة.
كانت نسخة مشبعة بالتعلّق، بالتضحية العمياء بالخوف من الفقد بالركض وراء الحب، كنت أظن أن العطاء اللامحدود دليل حب، وأن الانتظار الصامت، والسكوت عن الأذى، والصبر على التجاهل، نوع من الوفاء.
لم أكن أرى أنني أخسر نفسي يومًا بعد يوم، مقابل مشاعر لا تُشبهني أفقد فيها نفسي، لكن شيئًا في داخلي كان يصرخ كان هناك صوت خافت يقول لي: "أنتِ تستحقين أكثر".
في صغري كانت نسختي تحاول دائمًا أن تجد من يُشبهها، لكن في عمر الطفولة لا نملك القدرة على الحكم أو التمييز، فقط نشعر بعدم الراحة بعدم الانتماء، وكأننا في مكان لا يعكسنا، وجدت نفسي أتعايش مع من لا يشبهونني، أصادقهم وأشاركهم أيامي أدركت لاحقًا أنني لم أختر هذه الصحبة، بل انجرفت نحوها.
ربما لم يكن أصدقاء الطفولة يختلفون عني فقط، بل كانوا يمثلون صورة المجتمع الذي لم أشعر يومًا بالانتماء إليه لم تكن تلك الصحبة تعني التشابه، بل كانت تعني فقط الحاجة، الحاجة إلى الوجود.
لم أكن أملك الوعي الكافي لأفهم ما أريده أو من أحتاجه، لم أكن قد نضجت بعد لأُكوّن شخصيتي كما ينبغي، لكنني كنت أشعر دائمًا أن هناك شيئًا ناقصًا أنني أبحث عن فكر مختلف،عن صوت يُشبه صوتي الداخلي، ولعل كل ما مضى لم يكن سوى خطوات تمهّد لوصولي إلى نفسي، كما يجب أن أكون.
"لن يتغيّر حالك إن لم تتغيّر أنت"
لم أكن أظن يومًا أنني بحاجة إلى التغيير و لم أشعر أن بداخلي ما يستحق أن يُعدّل أو يُرمّم كنت أعيش في وهم الاكتفاء، وأردّد بيني وبين نفسي أنني أحب ذاتي، وأفهمها لكن الحقيقة أنني كنت بعيدة عنها جدًا حدّ الغربة.
كانت الروح تُستنزف شيئًا فشيئًا، حتى أضحت فارغة إلا من شتات لا يُرى وصمتٍ لا يُحتمل، لم أكن أرى ما أمرّ به بوضوح؛ كنت أعيش أمضي أبتسم، وأصمت كثيرًا كنت أظن أنني بخير لأنني اعتدت الإنكار لكن الحقيقة لا تُخفى طويلًا.
أحيانًا نظن أن الانشغال بشيء جديد كافٍ لتجاوز الألم، فنركض نحو التغيير لا لننضج بل لننسى ، لكن الحقيقة أنك إن بدأت شيئًا هربًا، ستتوقف عند أول لحظة مواجهة.
النجاة لا تكون بالهرب، بل بالصدق مع الذات، حين تفعل شيئًا لأجلك لا لتنسى أحدًا حين تنمو لأنك تستحق لا لأنك تُريد إثبات شيء لأحد عندها فقط، يبدأ التحول الحقيقي.
فما لم تواجهه سيظل يلاحقك، وما واجهته هو ما يصنعك.
"مرايا مشوهة : هكذا تري نفسك "
بداية مرحلة جلد الذات تلك المرحلة التي نرتكب فيها أعنف الجرائم بحق أنفسنا، أعاتب نفسي على كل خطأ، أصفع قلبي على كل ضعف، أستعرض أمامي كل لحظة خذلت فيها روحي، وأُشهر سيف اللوم فوق عنقي كأنني عدوّ نفسي لا رفيقتها، وكم كنت قاسية !
كنت أظن أن القسوة ستُصلحني أن العقاب سيجعلني أقوى لكنني كنت أغرس الألم في قلبي مرة أخرى بيديّ.
ثم أتى السؤال الأهم، همس في داخلي بصوت خافت لكنه صادق، لِمَ تغفرين للناس وتتمنّين لهم الشفاء، بينما تنهشين روحك كل يوم لِمَ لا تَحتوين ضعفك، كما تحتوين دموع غيرك؟ لِمَ لا تكونين رحيمةً بنفسك وكان ذلك السؤال بداية التحوّل.
"رحلة التعافي: حين سقطتُ كي أنهض من جديد"
لقد قرّرت أن أمسح ملامح الأمس أن أخلع عن قلبي كل ما علق به من أذى وندم وخيبات، قرّرت أن أبدأ من جديد لا أن أُرمّم نفسي فقط بل أن أُولد من جديد الحقيقة أن ما كنت بحاجة لتجاوزه، أن أتعافى منه حقًا، لم يكن شيئًا خارجيًا على الإطلاق بل كنت أنا أول خطوة نحو للتعافي هي مواجهه نفسك.
توقفت كل محاولات الإنكار وانكشف كل ما كنت أهرب منه وجدت نفسي أمام مرآتي الحقيقية، بلا أقنعة بلا تجميل رأيتني كما لم أرني من قبل وكم كان مؤلمًا ذلك اللقاء الأول مع الحقيقة.
ولأول مرة أعترف، "أنا لست بخير".
لم أقولها لأحد قولتها لنفسي، كانت تلك أول خطوة نحو النور، رغم أنني كنت ما زلتُ في العتمة.
بدأت أتعلم لغة جديدة، لغة الرحمة مع الذات تعلّمت كيف أُربّت على قلبي بدلًا من تجريحه، كيف أُطمئن خوفي بدلًا من تعنيفه، كيف أُحبّني برغم أخطائي، فأنا بشر، والبشر يخطئون، ويتعثرون، ويسقطون، لكنهم أيضًا ينهضون.
"الشفاء يبدأ من هنا"
في لحظة هادئة، شعرت أنني بدأت أولى خطوات السلام الداخلي وهي المصالحه مع النفس، تصالحت مع تلك النسخة القديمة منّي.
لم أعد أراها كعدوّ، بل كجزء من الرحلة تعلمت أن كل ما مررتُ به كان ضروريًا، حتى الألم كان مُعلّمًا، أعدت تعريف القوة في نظري؛ لم تعد تعني الصلابة، بل الصدق مع النفس لم تعد تعني الإنكار، بل الاعتراف، والغفران، والنهوض.
قرأت ذات يوم هذا الأقتباس الذي لامس قلبي
"ليس دورك أن تُطهّر الآخرين من سُمّيتهم، دورك هو أن تُطهّر الجزء فيك الذي ينجذب لهذا السُمّ ويُبرّره أو يصمت أمامه الشفاء يبدأ من الداخل، لا من تغيير الآخرين."
نعم أنت لست مسؤولًا عن إنقاذ أحد من نفسه دورك الحقيقي هو أن تُنقّي قلبك من التعلّق بما يؤذيك،
أن تُضيء الداخل بدلًا من ملاحقة الظلام في الخارج.
أن تسأل نفسك:
"ما الجزء فيّ الذي ما زال يصدق أن عليه أن يتحمّل السُمّ من أجل الحب؟"
"ما الطفولة التي لم تَشْفَ بعد، والتي تجعلني ألوّح بالغفران بينما أنزف بصمت؟"
الشفاء لا يبدأ حين يتغيّر الآخرون، بل حين تتغيّر استجابتك لهم، حين تكفّ عن تبرير الأذى، وحين تكفّ عن الصمت الذي يخون روحك.
الشفاء هو أن تختار نفسك كلّ مرة، أن تضع حدودًا لا انتقامًا بل حماية.
أن تقول "لا" دون خوف من الفقد، وأن تقول "نعم" لكل ما يُعيدك إليك.
حين تُطهّر داخلك، تتوقف عن جذب السُمّ من الأساس، فالقلب السليم لا يطلب ما يُؤذيه، والروح التي عرفت قيمتها لا تُساوم عليها.
هذه الرحلة لم تكن سهلة، لكنها حقيقيةوأدركت في نهايتها أن السقوط لم يكن نهاية، بل بداية لشيء أنقى، لقد سقطت لأتعلم أنني أستحق أن أنهض،أنني أستحق أن أعيش بسلام لا بصراع ، وأني مهما مرّ بي من انكسار، لا زلت أستحق الحب، وبدايته تكون مني إليّ.
تذكر دائما أن "أخطاؤك القديمة لا تخصّك، هي تخصّ نسخةً قديمةً لك. نسختك الحالية واعية أكثر وناضجة أكثر وجميلة أكثر، لا تُعكِّر صفوها باجترار الماضي وهفوات الماضي ."
هاروكي موراكامي
