دور التحكيم في تسوية منازعات العقود الإدارية
دور التحكيم في تسوية منازعات العقود الإدارية
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
تُعد منازعات العقود الإدارية من أبرز التحديات التي تواجه الإدارة العامة والأطراف المتعاقدة معها، نظرًا لما تحمله هذه العقود من خصوصية تجمع بين الطابع التعاقدي والسلطة العامة، مما يجعل تسوية هذه النزاعات مسألة معقدة تتطلب آليات فعّالة. في هذا السياق، برز التحكيم كآلية بديلة تُقدم حلولًا أسرع وأقل تعقيدًا مقارنة بالقضاء التقليدي، مع الحفاظ على حماية المصلحة العامة وضمان حقوق جميع الأطراف.
في الجزائر، يُنظم التحكيم بعدة نصوص قانونية رئيسية، من بينها قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 01-11 المؤرخ في 12 جوان 2001، الذي أتاح مبدأ اللجوء إلى التحكيم في القضايا المدنية والتجارية، لكنه أبدى تحفظًا في المنازعات ذات الطابع الإداري، نظرًا لحساسية حماية المصلحة العامة. وفي ضوء ذلك، جاء قانون التحكيم رقم 18-10 بتاريخ 18 يوليو 2018 ليؤطر آليات التحكيم بشكل أدق، محددًا نطاق تطبيقه وشروط إجرائه وطرق تنفيذه، مع استثناء بعض القضايا ذات الطبيعة العامة، مثل المنازعات المتعلقة بالوظيفة العمومية والمسائل المرتبطة بالنظام العام الإداري.
تُحال منازعات العقود الإدارية إلى التحكيم عندما يتضمن العقد بندًا تحكيميًا صريحًا، ويتطلب ذلك اتفاقًا بين الأطراف، مع ضرورة التأكد من أن هذا الإجراء لا يتعارض مع النظام العام أو يمس بمصلحة عامة أساسية. تكمن خصوصية التحكيم الإداري في أن السلطة الإدارية تحتفظ بحقها في فرض شروط معينة على العقد، كإمكانية تعديله أو إلغائه من جانب واحد، وهو ما قد يحدّ من مجال التحكيم، إذ لا يُسمح للمحكمين بتجاوز قواعد النظام العام أو الحقوق التي يتمتع بها الطرف الإداري.
قضائيًا، يظل القضاء الإداري الجزائري، خاصة مجلس الدولة، صاحب سلطة الرقابة على قرارات التحكيم، حيث يمكنه إبطالها إذا خالفت القانون أو النظام العام الإداري. يضمن هذا التوازن بين استقلالية التحكيم كآلية بديلة، وبين حماية المصلحة العامة والحقوق القانونية للأطراف، ويعكس حرص النظام القانوني الجزائري على استقرار العقود الإدارية وتطبيق العدالة بدقة.
تكتسب آليات التحكيم أهمية متزايدة في الجزائر، مع تطور الاقتصاد الوطني وتعقيد العقود الإدارية، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمشاريع الكبرى، حيث يساهم التحكيم في تسريع الفصل في النزاعات وتقليل الضغط على المحاكم الإدارية. يشجع القانون الجزائري الأطراف على الاتفاق على التحكيم ضمن عقودهم، شريطة احترام القواعد القانونية وعدم التعارض مع النظام العام.
مع ذلك، يواجه التحكيم الإداري تحديات عدة، أبرزها نقص الخبرات المتخصصة في المجال، والحاجة إلى تطوير برامج تدريبية ومحاكم تحكيم مختصة للتعامل مع هذه القضايا. كما ينبغي تعزيز الوعي القانوني لدى الجهات الإدارية والمقاولين بأهمية التحكيم كبديل فعال، مع ضمان الالتزام بمبادئ الشفافية والعدالة.
في الاخير يُعد التحكيم في منازعات العقود الإدارية في الجزائر خيارًا استراتيجيًا يسعى لتحقيق التوازن بين سرعة الفصل في النزاعات، وحماية المصلحة العامة، وضمان الحقوق القانونية للأطراف. ويعتمد نجاحه على تطوير الأُطر القانونية، وتعزيز الكفاءات التحكيمية، وضمان الرقابة القضائية المناسبة، مما يسهم في بناء بيئة قانونية مستقرة تدعم التنمية الاقتصادية والإدارية.
