في وداع حاتم علي أخر أمراء الأندلس المرابطين في بيت المقدس

لا أستطيع ان أتحدث عن حاتم علي إلا إذا تكلمت ولو بشيء من الصمت عن سيف قَلمِه الكرمي الذي خَط حروف كل تلك الملحمات التي رأيناها عبر أثير الوقت تُحلق في فضاء عقولنا فُتفرز من ألامنا حزناً يُغذي ما تبقى من الذاكرة كي لا تموت، إن ماضينا المجيد وأراضينا المحتلة والمغتصبة وحدود الوهم الذي وضعها المُعتل لتُشكل واقعنا الأليم وتاريخنا المخضب بالدماء، لهي الواقع المر والتاريخ الأشد مرارة، وما مستقبلنا الضبابي الذي نستشرف أحداثه الحزينة مما أعاد لنا كتابته بن طولكرم الدكتور وليد سيف من حروفٍ نزعها الإستعمار من مناهجنا ومن قصص الأجداد والجدات، حتى نزداد جهلاً ويزاد الظلام وتشتد العتمة من حولنا، فيضيئ لنا بن هضبة الجولان المحتلة حاتم علي بلونٍ مخملي جميل مغلف بالحزن والألم عبر أيقوناته التي نقشها في وجدان من عاش أوجاعه الملونة، فيشاهد وقلبة ينتفض التغريبات المتتالية بعد ان عاش المرار والضعف والخنوع والذل والإستكانة والهوان فيمتطي صهوة أحلامة الممزوجة بالوجع والألم ليحلم بعزةٍ تعيد ما ضاع من تاريخ كُتب وصُور وأُخرج لنا بعبقرية منقطعة النظير جعلتنا نبحر بصمت مع حروف تاريخنا الطويل، نغوص باحثين في أعماقها بشغف عن واقع عشناه في تلك الملحميات الدرامية من العلو الكبير لصقر قريش من شامه إلى مغرب بن زياد حتى إنتشينا بما تبقى من سنوات العز والكرامة في غرناطةِ الأندلس، لقد إستطاع حاتم بسيف الكرمي أن يجسدا لنا أندلسنا وربيعها المحروق بدماء الموريسكيين في محاكم التفتيش البغيضة نقشاً ينزف دماً أزلياً في وجدان عقولنا فنحياها عزاً تارة وألماً وحزناً تاراتٍ أخرى فنذوب في مشاهدها التاريخية التي أبدعا فيها أيما إبداع فخضباها باحلامهم المثقلة بهمومنا، لتتضح لنا الصورة فنرى من خلالها قصور الأندلس الحمراء ونتلمس بعشقٍ جمال وروعة قصري الزاهرة والزهراء ونسير في شوارعها التي أنجبت من أضاء بين المشرقين والمغربين بالأداب والعلوم من زهراء الناصر إلى مكتبات الأندلس العريقة والتي كانت تزخر بشتى أنواع العلوم في زمن أظلمت الأرض بجهلها بينما أضاءت حواضر الأندلس دورها وشوارعها ووضعت قواعد الإبداع في فنون العمارة والأداب فحجزت لها مكاناً مميزا وبجدارة بين أجمل مدائن الأرض.
حاتم والكرمي لم يريانا فقط جمال الصورة بل عشناها وشعرنا بتلك الارواح التي كتب من الاشعار أجملها ورسمت زهور اللوز ثلجاً خطه المعتمد بن عباد بفأسه وشتلاته اللازوردية في جبال الأندلس لتبدوا لنا كبياض الثلج المغلف بعبق زهور اللوز التي لا يعرفها إلا من عرف رائحة العزةِ والكرامةِ والإباء.
المُبدِعَين صورا لنا تلاطم أمواج الرعب التي عاشته أوروبا على يد المعافري محمد بن أبي عامر الحاجب المنصور وجَسَدَا لنا بتواضع وجع المهزومين في زلاقة المرابطين، وعشنا معهم عزاً يفهمه فقط من رأي الضعف والخنوع والذل في الطوائف وملوكها.
رحل حاتم عنا مسرعاً وتركنا ننتظر أن يكمل مشوارة الإبداعي الرائع فيرينا بمشاهد هي أقرب من الخيال إلى الواقع، غزارة تلك الدموع الساخنة التي سالت مختلطة بدماءها في مشاهد السقوط المدوي للإندلس، كي نحترق بدموع تلك النظرات البائسة في عيني أبو عبدالله الصغير، وحرقة أمه الحرة أخر أميرات الأندلس "عائشة" وهي تقول: "ابكِ كالنساءِ ملكاً لم تدافع عنه كالرجال".
لقد إستطاعا أن يفتحا باباً أغلق بمكر ودهاء منذ عقود، لنرى بالصورة والصوت من بين حطام أخشابه الإنتصارات المدوية للفاتح الأيوبي صلاح الدين حين أعاد القدس للأمة من جديد بعد غربة طويلة من الالم والدماء والعنجهية والتغول في دماء أهل هذه الأرض الطيبين، فلم نكد نفرح بهذا النصر حتى إستفقنا على جرح أعمق ومرارة وحزن أشد عشناها واقعاً أليماً وحزناً مريراً في التغريبة الفلسطينية بكل أوجاعها، لقد جعلونا عبر كل تلك المشاهد المؤلمة طواعيةً وبكل أطيافنا أن نحيا النكبة كما عاشتها تلك الجموع التي حاصرها المكر والموت ونهشتها النيران والأحقاد فوهنت قواها من ضعفِ وخنوعِ أولائك الذين رفعوا رايات الخزي والعار فوق عروشهم المخضبة بالعمالة والتبعية وضعفاً وهوانا وهزيمة لم يسجل التاريخ مثيلاً لها من قبل، إستطاع المبدعان أن يصهرا قلوبنا في تغريباتهم، فأضحينا عبر الصور الموجعة والمفجعة لا حول لنا ولا قوة، عشنا معهم الموت والخوف والجوع والبرد والمرارة وحرقتنا أحزانهم بدون وعي منا وإنتهي بنا المطاف معهم مشتتين في مشارق الأرض ومغاربها لنحيا تيها جديد وشتاتاً أخير لا ينتهي إلا بوعد الأخرة وذلك حين تجتمع فيه قوى الخير لإستإصال الدجل والصهينة والنجاسة والمكر والخداع فتراق دمائها فوق مذبح التطهير على تراب فلسطين إيداناً بعودتنا إلى عزتنا التي عشناها في كل الجمال الذي صُور لنا فعشنا بواقعية عبر المرئيات ومن خلال هذه الأيقونات المرئية مجد أمتنا الضائع.
نشهد ياحاتم أنك قد أعدت لنا الذاكرة بقلم الكرمي فنحن جيل لا يقرأ، حين رأيناكم ترابطون رابطنا معك في الأندلس، عشنا معكم عزها وشموخها وأحزانها وألامها، وكنا معكم حين تغربتم مع الفلسطينيين في غربتهم المريرة فجعلتمونا نشعر بهذا الجرح الكبير، وما شتات السوريين في كل الأرض إلا جرحاً جديداً غائراً من جراح هذه الأمة، وإن موتك في مصر ليشهد بانك جرحاً من جراح الشام الأكثر مرارة،
رحم الله حاتم علي في غربتنا حين وداعناه الوداع الأخير، ورحم الله الأندلسيين وغربتهم الطويلة، والفلسطينيين وتغريبات التي لا تنتهي، ورحم الله العراقيين، والسوريين، والليبيين، واليمنيين، و... ورحم الله من لم يستطع حاتم بأن يصور لنا أحزان وألام تغريباتهم الأتية لا محالة ولو بعد حين.
أعتذر إليك ياحاتم فلا سلطة لدي لأمنحك وسام الاندلس الشهيدة ولا وسام القدس الجريحة ولكني أملك أن أعطيك من قلب تعتصره جراح هذه الأمة وساماً تستحقه بكل جدارة وإقتدار، فقد صورته في أيقوناتك الجميلة فأصبحت أنت ياحاتم الوسام الأكثر حزناً لأخر أمراء الأندلس المرابطين في بيت المقدس، والذي سيضعه محبيك في قلوبهم حين تعتصرهم كل تلك المشاهد التي تنبض ألماً وحزناً بما تبقى لنا من طيف روحك الجميل.
لن أرثيك بكلماتي هذه ولكن سأترك رثائك للمعتمد بن عبَّاد الأندلسي آخر ملوك بني عبَّاد على إشبيلية في قصيدته التي رثى بها نفسه وقال في مطلعها (قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي *** حَقّاً ظَفَرتَ بِأَشلاء ابن عَبّادِ)
نَعَم هُوَ الحَقُّ وَافاني بِهِ قَدَرٌ
مِنَ السَماءِ فَوافاني لِميعادِ
وَلَم أَكُن قَبلَ ذاكَ النَعشِ أَعلَمُهُ
أَنَّ الجِبال تَهادى فَوقَ أَعوادِ
كَفاكَ فارفُق بِما اِستودِعتَ مِن كَرَمٍ
رَوّاكَ كُلُّ قَطوب البَرق رَعّادِ
يَبكي أَخاهُ الَّذي غَيَّبتَ وابِلَهُ
تَحتَ الصَفيحِ بِدَمعٍ رائِح غادي
حَتّى يَجودَكَ دَمعُ الطَلّ مُنهَمِراً
مِن أَعيُن الزَهرِ لم تَبخَل بِإِسعادِ
وَلا تَزالُ صَلاةُ اللَهِ دائِمَةً
عَلى دَفينكَ لا تُحصى بِتعدادِ
بقلم:مصطفى بلبيسي
