الغــــزالى والشــك الإيجــابــى

Al-Ghazaly And The Positive Suspicion 

By The Egyptian Writer

Dr. Tarek Radwan Gomaa

 

 

لنفترق احباباً فالطير كل موسم تفارق الهضابا , والشمس يا حبيبي تكون احلى عندما تحاول الغيابا , كن في حياتي الشك والعتابا , كن مرة اسطورة كن مرة سرابا , كن سؤالا في فمي لا يعرف الجوابا , من اجل حب رائع يسكن منا القلب والأهدابا , وكي اكون دائما جميلة وكي تكون اكثر اقترابا , أسألك الذهابا. – نزار قباني

 

مرض الشك هو نوع من الاضطرابات النفسية المشتقة من مرض الوسواس القهري، الذي يصيب بعض الأشخاص ويؤثر على سلوكهم العام و طريقة تفكيرهم، حيث يشعر الشخص المصاب بالشك بعدم الثقة بأي شخصٍ كان، بالإضافة لكثرة الوساويس التي تراوده أثناء تعامله مع الناس، و الشعور بالاضطراب و التردد من فعل أي شيء، و التفكير بطريقةٍ خاطئة و بعيدة عن المنطق الصحيح.أنواع مرض الشك
للشك أنواع عدة، فمنه شكٌ عادي لا يؤثر على النفس و لا على الآخرين، و هو من الأشياء الطبيعية التي تكون بداخل كل إنسان، و شك متوسط الشدة، يمكن السيطرة عليه بمجاهدة النفس و قمع الشك الذي يعتريه، و شك شديد قاتل، يحتاج إلى علاج طبي للتخلص منه.

 

يقول على الوردى :" يحكى ان قرويا ساذجا جاء الى بغداد لاول مرة في حياته . فمر بدكان لبيع الحلوى ، وقد انذهل القروي حين رأى تلك الحلوى اللذيذة مصفوفة في واجهة الدكان وصاحب الدكان جالس بجانبها ساكنا لا يأكل منها شيئا! ظن القروي ان صاحب الدكان أعمى لا يرى هذه اللذات المتراكمة حوله. ولكنه وجد بعد الفحص انه ليس أعمى. فاشتدت به الدهشة ! انه لا يستطيع ان يتصور إنسانا يجلس بجانب الحلوى ولا يأكل منها ! وسبب ذلك أن هذه الحلوى نادرة في القرية التي جاء منها. ولعله لم يأكل منها الا مرة واحدة في حياته وذلك في عرس ابن الشيخ حفظه الله. ولا شك بأنه شعر بلذة قصوى حين أكل منها. وقد دفعته سذاجته الى الظن بأن الحلوى تعطي آكلها لذة قصوى كل ما أكل منها. ولا فرق في ذلك بين من يأكل منها قليلا او كثيرا. ولهذا وجدناه مذهولا عند رؤية رجل يجلس بجانب تلك الحلوى وهو ساكن وهادئ لا يسيل لعابه كأنه جالس بجانب الطين والقصب! وما حدث لهذا القروي الساذج يحدث لكل منا في وقت من الأوقاتفإذا رأى أحدنا فتاة جميلة تتغنج وهي تمشي بالشارع ظن أنه سيكون أسعد الناس اذا اقترن بها أو قبلها على اقل تقدير. انه يتوهم ذلك في الوقت الذي نجد فيه زوج الفتاة قد مل منها وكاد يلفظها لفظ النواة. ان احدنا ينظر الى هذه الفتاة الجميلة بعين المنظار الذي نظر به ذلك القروي الى دكان الحلوى . لا يدري كيف سيكون حاله بعدما يقترن بتلك الفتاة ويراها بين يديه صباح ومساء ، حيث تصبح حينذاك كالبقلاوة التي يأكل منها القروي أكلاً شديدا متواليا يوما بعد يوم. لهذا ليس في هذه الدنيا شئ يمكن أن يتلذذ به الانسان تلذذا مستمرا. فكل لذة مهما كانت عظيمة تتناقص تدريجيا عند تعاطيها. وهذا ما يعرف في علم الاقتصاد الحديث بقانون (المنفعة المتناقصة).

ولكن هل يأتي الشك بعد اليقين ؟ نعم فإذا تيقنت وجود شيء فتبدأ احساس الشك به فلا احد يشك في شيءٍ لا يؤمن بوجوده او لم يصل الى حد اليقين في التفكير فيه .. وهل يعتبر الشك في شيء او تفكير في تنوع وجوده او دلالات وجوده؟ شيء خاطئاً؟ لا فان عقل الانسان يتطور عندما يفكر والاحساس بالشك هو أول خطوات التفكير .. وهل نقدك او تعليقك على بعض التصرفات دليل على عدم الإيمان بتلك التصرفات او انك تنفي هذا التصرف او ذاك التصرف وهل النقد دليل على الرفض ؟ لا ان النقد يعتبر ثاني خطوات التفكير للوصول الى الرقي والكمال وكلما زاد شكك ونقدك زاد إيمانك بوجود ذلك الشيء المشكوك فيه وساعة من التفكير يعادل الف سنة من عدم التفكير. – په يوه ند خوشناو ( شاعر وكاتب كردي)

 

وذكرأبو حامد الغزالي ( فقيه وفيلسوف مسلم )،أن الشك أول مراتب اليقين. وأقر بيل مار ( كوميدي أمريكي ساخر) بأن السلوك الوحيد المناسب للإنسان حول الأسئلة الكبرى ليس اليقين المتغطرس بل الشك .. الشك تواضع. ويقول توفيق الجكيم أن:" التفكير هو حركة الشك، والعمل هو ثبات اليقين، و الإيمان هو قوة الثبات و الدفع و الإصرار على التحقيق العملي ليقين العقيدة. 

 

ومن الشك ما هو شك إيجابى: يذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه:زاد السالكين"أن القاضي أبا بكر بن العربي قال :رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازة وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة ،وقد كنت رأيته ببغداد يحضر مجلس درسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم،قال فلما دنوت منه وسلمت عليه وقلت له:يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا ؟قال:فنظر إلي شزرا وقال:لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة أو قال :سماء الإرادة ،وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول:

تركت هوى ليلى وسعدي بمعزل

وعدت إلى تصحيح أول منزل

ونادت بي الأشواق مهلا فهذه

منازل من تهوى رويدك فانزل

عزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد

لغزلي نساجا فكسرت مغزلي

 

 إذ من الناذر أن تجد عالما أو كاتبا يعترف بمأزقه الفكري وعجزه عن تجاوزه بسبب حالة نفسية طارئة عليه، لغاية أن يسميها حالة مرضية ،فقد عندها الثقة بمعلوماته ومصادرها وأدواتها ،مما يعني أنه قد عرض ثقة المتتبع الشكلي لأفكاره ومذهبيته إلى نوع من الاهتزاز والتأرجح في الأخذ بها أو التزامها.

يتجلى هذا في تصريح أبي حامد الغزالي أن داء الشك قد دام به "قريبا من شهرين ،كما يقول:
أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال،حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين،ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام،بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر،وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف،فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة"

 

 فالشك عند الغزالي إذن قد كان حالة نفسية تمازجت مع نزعته الفكرية فظهرت بصورة ذكاء ملفت للنظر،كما أرخ له أصحاب التراجم واعترف له به المؤيدون والمعارضون على حد سواء ،أذكر منهم على سبيل المثال قول عبد الغافر أحد معاصريه:"لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا"وأيضا السبكي :"وكان رضي الله عنه شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الإدراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة".

 

 كما يصور لنا شغفه المعرفي وتوقه للتحقيق في هذه العبارات:"وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول عمري وريعان عمري ،غريزة وفطرة من الله تعالى وضعتا في جبلتي ،لا باختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا...فقلت في نفسي إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور،فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم ولا يتسع القلب لتقدير ذلك."

فهذا البرهان بدوره عبارة عن مؤسس لحالة نفسية جد مهمة في حياة الإنسان، وهي أرقى مطالبه ومتمنياته في تحصيل الاطمئنان الذي هو ضد القلق ،ومبعثه الشك والتردد في الحكم على قضية ما،إما لغموض مبدئها أو لانسداد آفاقها وانغلاق أبواب مستقبلها...مما يعني أن التشابك قائم بالضرورة بين العقل والنفس أو بين العقل والانفعال،ومن بعده الحكم والالتزام وكم"فرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا وشبعانا".

 

فمعلوم أن الذي تغلب عليه نزعات حب الشهرة والصيت سيسعى دائما إلى ازدراء منافسيه والعمل على طمس شرارتهم ،حتى لا يتألق نجمهم بجانبه ويتفرد بالألمعية والنجومية التي هي غاية حب الشهرة وتجلي النفس في أعلى مستوى أنانيتها و اغترارها...

إن هذا ما حصل بالضبط للغزالي في بداية شهرته وعلو كعبه في مجال العلم والمناظرة وحصافة الرأي،لكنه سينقلب حاله رأسا على عقب بمجرد سلوكه للمدرسة الصوفية العملية والعلمية كما وصفها في كتابه المنقذ من الضلال،وبالتالي سيتخلص من تلك العقد والأمراض النفسية والخلقية التي لازمته ردحا طويلا من حياته كما يرصده أحد معاصريه واصفا بأنه:"أخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل وتهذيب المعاش،فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق والفراغ عن الرسوم والترتيبات و التزيي بزي الصالحين وقصر الأمل ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة.

 

وأخيراً هناك طرق للتخلص من الشك منها كتابة كل الشكوك التي تخطر ببالك في ورق حتى يشعر بتفاهته وتختفى بعضها تدريجياً، وأيضاً يمكن للشخص الشكاك طلب العون والمساعدة ممن حوله أو يتحدث مع نفسه بعبارات تثير التفاؤل بداخله حتى يزول الشك ويحل محله الثقة، وهناك طرق أخرى بسيطة مثل الاسترخاء والتأمل تمارين اليوجا، والشك أنواع منه الطبيعي الفطري الذي لا ضرر منه حيث يكون درجة عدم تيقن وقلق من شئ لا نعرفه جيداً، وهناك الشك المرضي الذي يلازم الإنسان ويحدث بدون أي سبب أو داعى ويسبب انعدام الثقة في كل من حوله في يعوق الإنسان على التواصل بشكل طبيعي مع عالمه وينتج عنه العزلة وانعدام القدرة على تقبل الحياة، وهنا يظهر الانطواء والحقد المستمر تجاه العالم.