في ليل من اليال التي على وشك الانتهاء، كان انس ينتظر حلول الشروق، الذي كاد ينتهي، على دكة المحطة الخشبية ، فيما كانت وجوه مألوفة بجواره تنتظر الذهاب الى العمل، بالطبع لا يقل عنهم شيئا، إلا انه لم يحلم منذ زمن سحيق، ولولا شرودا عابرا لما لاحظ الفرق، يشتاق لتلك اللحظات الزائفة، كانت تعطي اتزانا طفيف لأيامه، ايا كان عندما تكن معدوما ستسرك كل النتائج، حتى ولو كان انتقالا من عدم لعدم. بعد انتهاء الشروق، تامل ابتعاد الباص، حتى ابتلعته الزاوية، وحيدا وعينيه تحترق، ارتسم على وجهه احباط خفيف، ربما بفعل انه سيتاخر، وان توبيخه بات مؤكدا.

اسفل عمود الكهرباء الذي على وشك ان ينغلق، بدا الذباب وهو يتراقص تحت الضوء البرتقالي، كأنه شظايا  ثائرة، وبدت الغربان حالكة السواد على احرف المباني، وقطط تصدر انينا بفعل شجار او جماع، رآهم جميعا ملمين بنصهم … انطفأ النور المؤقت، وتبعه الباقي كقطع من الدومينو تنهار بانتظام مرض، فكر مليا، في وقت قصير، ، لكن ما من شك يتكئ عليه، يرتقي لأمل، او يدنو ليأس. لم يعكر صفو شروده الا آلة تنبيه الباص، التي صفعته خارج شروده وما تبقى من نعاس. تشكر السائق بإيماءة تكاد لا ترى، فرده بمثلها، وشد رحاله الباص، حتى ابتلعه المجهول.



كانت سترته المهترئة كصيف يتآكل في بدايات سبتمبر، جميلة لكن حتمها ان تستبدل بجمال اخر، كذلك مؤقت، في طريقه للمترو وكعادته ابطر ان يذعن لصداع صدغه بفعل قلة او افراط النوم قرر ان يحتسي كوبا من الشاي  الثقيل، وكعهده تحمل وهن التواضع والتحية واحيانا البقشيش القليل، لبائع الشاي مقابل حلمه تجاه حيرته امام اختيار قطعة من السكر او اثنتين، الا انه استسلم لما توحي به النفس، هاربا من اي ندم بسيط، ثم رحل للمترو متسائلا بماذا تستند النفس ليكون لها احقية الاختيار وان تتحكم بحزنه الطفيف وحتي ندمه الشديد؟ عل ذلك عنصرا لديه يبعث الواقعية في حقيقة الاشياء، الامر اشبه بجدار تقشر طلاءه الرخيص، من حسن حظه ان ايقاع واقعيته لم يكن القبح. وبالطبع، لكل ذوق واقعية خاص.


عبر انس الشارع وانضم لبعض معارفه المتجمعة في اواخر المحطة العتيقة، كان منهم سعيد صاحب الاظافر المقلمة او الماكولة بعناية، لن تنتبه لها من نظرة واحدة، واخر تفوح من سترته رائحة تبغ رخيص، تمكن منه النيكوتين، صوته العميق، وجهه المسن وهو مازال شابا في بدايات الحياة القاسية، كان ببساطة النقيض التام، لما يسمى مثيرا للشفقة.
ثم صاحب لهم اخر، يصعب وصفه، لما كثر فيه من ما لا يستحق الوصف، لنعتبره فصلة، نضعها لننتقل لفكرة اخرى. ميزه الشباب، والقى وتلقى التحية، ثم جاء المترو قبل ان يندلع اي حديث، بعدما دخلو واستقروا في زاوية.
"غريب، مترو المتاخرين ليس مترعا كبقية الايام؟؛" قال انس
"ماذا تقول، بحسب علمي هو دائما كذلك..."
رد "ربما"
ثم ردد الصوت الالي اسم المحطة المقبلة، لكنه لم ينتبه.
قال بصوته المبحوح، كاشفا الغطاء عن اسنان تالفة بفعل السجائر "اتعرفون، كلما تقربت الى البشر، يزيد اشتياقي الى الكلاب"  

" علك تشتاق لابناء جلدتك" ، قالتها الفصلة مبتسما منتظرا تأييد... إلا ان جميعهم التزموا بالصمت، وبشكل روتيني تهيأ جزء من الاصدقاء الي الخروج للمحطة، الا انه عندما ردد اسمها، كانت المفاجأة الغريبة هي انه لم يسمع هذا الاسم قط، بالطبع تامل وجوه الملأ لكن لم يكن من طرفهم ادني ردة فعل... ثم اتت محطة بعد الاخرى، وكلها اسماء جديدة، لكن واقعية وجوه الناس، تؤكد ان الخلل، ليس في العالم، بل فيه، لكنه انتظر، وهو لا يفهم اي شئ. لكن نفسه حثته على الصبر وهو اخذ برأيها.
تبقت محطة واحد على وجهته المعتادة.
وبشكل روتيني اتجه امام الأبواب مستعدا للمحطة القادمة، الا ان كل الناس خرجو في المحطة قبل الاخيرة، وترجى الصوت الالي ان ينصرف الجميع بحكم انها المحطة الأخيرة. ومن واقعية ردة فعل الناس، حمل حقيبته السوداء ثم خرج، من المحطة، وصعد السلالم العالية التي تشبه اي سلالم متسخة، الا انه متيقن انها ليست سلالم محطته المعتادة. صعد اخيرا، وكانت لمفاجئته انها محطة البحر، شعر بسرور بعث في أذنيه وعينيه حيوية، وقلبه كان ينبض بانتظام وبدون ضغط وتوتر، احب كل الاشياء الغريبة، ولم يحللها، طالما انه اتبع الواقع وتحمل مسؤلياته طيلة حياته، سيتحمل ملذاته ايضا وعجائبه، فما يرى ليس الا تجل واحد لحقيقة ليس لها نظير، ثمة صوت الات تنبيه السفن الغشيم، بدا اعلي من اي صوت سمعه مسبقا، اخذ يتكرر ويتتكرر... الي ان اصبح صوت المنبه، قام من سريره مبتسما، وتذكر زرقة البحر، وهو يتفحص سماء شرفته التي ليس فيها ولو سحابة واحدة. فكر وهو يتامل نوافذ المدينة الناعسة والكسولة، ياله من شرف ان يكون لك شك تتكئ عليه.