بعد استدعاءه في طوارئ مستشفى الشفاء وقضاء قرابة الست ساعات في اجراء عملية جراحية طارئة توجه الدكتور فؤاد إلى شقته. و بينما كان يتأمل حركات الأشجار من وراء النافذة. ساعى البريد يطرق الباب. 

- ازيك ياعم حسين ياترى جيبلنا اية النهارده؟!
= دا جواب من "بلاد بره" يادكتور فؤاد, شكله كده الجواب اللى كل مرة كنت بتسألنى عليه.. بس أنا ليه االحلاوة بقى ...

- أنا دايما بقول إن وشك شكله حلو علىّ ياعم حسين 

باابتسامته الصافية المعتادة رد وقال: "ربنا يكتبلك الخير انت تستاهل كل حاجة حلوة يادكتور فؤاد".

- ودى حاجة صغيرة علشانك ياراجل ياعجوز ياابو وش سمح.

= يارب بس يكون دا الجواب اياه "م.ع.ج.خ"! اشوفك على خير ياابنى.

لم يتذكر الدكتور فؤاد حينها هل أغلق الباب أم تركه مفتوحا!,  هرول داخل شقته إلى مكانه المفضل حيث قهوة الصباح مازالت على طاولته المستديرة خلف النافذة.  جلس وقد اعتلى وجهه مزيج فريد من عدة مشاعر ما بين ظاهر يريد اخفاءه حتى على نفسه , وباطن تشى به عيناه. توقف الزمن قليلا حتى فتح الدكتور فؤاد الجواب , وجد صفحة ناصعة البياض كلباس حجيج بيت الله يتوسطها رقم "32"! ابتسمت عيناه فرحا لفحوى الخطاب, وبلهفة واشتياق طفل صغير لأمه نظر للمرسل فلم يجده  الـــ "م.ع.ج.خ"!! 

ذهب وعيه في رحلة معراج إلى السماء كى يصافح رفيق لياليه - النجم سيريوس Sirius – أسطع النجوم في السماء , وأبعدها.. فتذكر عشقا بينه وبين احد ليال الشتاء ..

 ففى احدى لياليه الحانيه كان يسير فى الطريق بصحبة الرفيق - سيريوس- يداعب كل منهم الاخر المداعبة الحميمه التى ملأت الجو ألفه, فجاء القمر ليعاونهم في رسم لوحات عبقرية في  فضاء سماء صافية. وبينما هم في خضم التداعب والرسم إذ بحنين آخر يطل على آذانهم, صوت شجى أصاب آذانهم برجفة فى قلبها , صوت يغنى : " يا قلبي آه .. الحب ورآه .. أشجان وألم ..  وأندم وأتوب .. وعلى المكتوب ..  ما يفدش ندم ..." فتوقف كلا منهم فى التو عن التداعب وعن الرسم و عن كل شئ .. كل شئ ما عدا الاستماع والاستمتاع بصوتها.

يدان خفيفتان تهمسان على رأسه : فؤاد .. فؤاد .. فـــؤاد

استدعى الدكتور فؤاد جنود الاحتياط المتمركزة فى جميع أركان جسده حتى استطاع رفع جفنيه من على عينيه البنيتين. كانت سارة زميلة الطفولة جارتهم في الطابق العلوى والتى وصلت ليلة امس من بعثتها فى أمريكا ..

= لقيت الباب مفتوح نديت عليك مردتش فقلقت فدخلت اطمن عليك , إيه خير مالك؟!

لم يكن بمقدوره سوى إعطاء أجازة مفتوحة لجميع جنوده فلم يعد لهم دورا كما لم يعد للقمر دورا فى المراسلات بعدما فاض نهر من الحياة فأنجب شريانا عابرا للقارات! 

- س ا ر ة!

= ايوة سارة لقيتك مسألتش امبارح قلت اسأل انا

- غصب عنى ياسارة فضلت فى العمليات طول الليل كانت حالة طارئة فمقدرتش أُقابلكِ في المطار ومش معقول أصحيكى من النجمة كنت مستنى ترتاحى وأطلعلك. حمدالله على سلامتك.

= الله يسلمك يافؤاد .. ولا يهمك أنا برده قولت أكيد ظروفك مكنتش في إيديك , يلا بقى فوق كده أنا هخطفلى مشوار بسرعة وأِعمل حسابك نتغدى سوا هستناك على الغداء, يلا سلام .. 

تذكر الدكتور فؤاد شُعوره عندما استخدم أول نظارة طبية, شعر وقتها ان العالم لم يعد بمكانه, كانت النظارة عنوانا للحقيقة آنذاك وادرك حينها استحالة رؤية العالم بدونها, وهكذا كانت ســـــــــــــــــارة!  

- سفرة دايمة 

= بالهنا والشفا , اسبقنى على الصالون اعمل القهوة واحصلك.

- طمنينى عليكى, احكيلى عن تجربتك بأمريكا وطبيعة شغل رسالتك

= كانت سفرية موفقة الحمد لله يافؤاد ,  رسالة  الدكتوراة كانت عن كيفية العلاج من فيروس انفلونزا نادر - فيروس 32- الفيروس دا لا يصيب سوى قلب ووجدان المريض, وازاى انه ممكن يتحور لفصيلة تانية زى الــ76. 

- ايه هو الفيروس دا وايه أصل تسميته بالرقم دا ياسارة؟!

= دا فيروس اكتشفه بروفيسور نفسانى من أصل عربى وكان مولع باللغة العربية, فاعتمد عليها فى تسمية الفيروس, اعتمد على الترتيب الهجائى للابجدية العربية واعطى لكل حرف رقم تسلسلى, يعنى حرف الألف كان يرمز له بالرقم "1" والباء "2" وهكذا.

ابتسمت عيني فؤاد وقال:

- يبقى ياستى 32 هو مجموع  1 و23 و 6 و2 , ارقام أحرف أ-ل-ح-ب! 

= يااااااه مش البروفوسير بس اللى مولع باللغه العربية , فاكر زمان يافؤاد؟

- لما كنت بناديكى برقم وتردى عليّ برقم, ونستخدم الأرقام فى تعاملاتنا قدام زمايلنا وهم مش فاهمين اية اللغة دى! 

لقد كانت لغتهم استثنائية تليق بعلاقة فردوسية, كان فؤاد وسارة معا منذ الصغر إلى أن التحقا بكلية الطب وتخرجا معا, وبعد عام من العمل استطاعا أن يحصلا على منحة للدراسة بأحد الجامعات الاميريكية, ولكن ظروف مرض والدة فؤاد وقفت أمامه حاجزا كخط بارليف! أما سارة فهى وحيده توفى ابواها بحادث تصادم منذ عامين لذا وجدت بالسفر ملجأ لها. سافرت سارة وهى لاتعلم أن أمريكا تمنح تأشيرة مجانية للذكريات المؤلمه كى ترافق صاحبها, ولا تعلم أيضاً بأن أرواحنا تأبى صعود الطائرة وتفضل البقاء فى دفئ أحبائها, كما حال قلبها الذي اخذ من صدر فؤاد موطناً له.

فى صباح اليوم التالى عم حسين يطرق الباب حاملا جواب جديد وهذه المرة كان المرسل "م.ع.ج.خ", فرفض الدكتور فؤاد استلامه!! 

انتهت,,