زبانيـــة الأدب والنقـــد

بقلــــم الأديب المصـــرى 

د.  طـــارق رضـــوان جمعـــه

 

- نعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا *** وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
-
 وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ *** وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا
 -
وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ *** وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا..."الإمــام الشـــافعـى"

 

وقد يأتينى زبانیة العلم الشداد، یقبضون علي متلبس بجرمي فیلقون بالأصفاد، و یعلنون على رؤوس الأشھاد: خذوه وعبرة لغیره نار النقد و الإنتقاد صلوه، إنھ قد اختلس ألفاظا من ھنا، و استرقت عبارات مصادرھا ھنا.

 

ثم أتانا مدعى أن ھذا من صنع أنا! على رسلكم لا تقذفوني بالعار و الشنار، فلیس ثمة إنتحال و لا إجترار، إنما ثمة ھضم و تمثیل للأفكار، أو قل ھي رسكلة لما ألفیتھ في الأثار وفي الرسكلة إعادة لنظم ما تنافر، وجمع لما تناثر...وفیھا شيء من التنسیق و التنمیق، بل و فیھا شيء من الصھر و السھر، و المعالجة والاعتلاج، حتى بلغت بھا مدارج الإنضاج والإنتاج وما أضنني قد بلغتو إذا كنت حقا قد سرقت "فقد سرق قبلي ھومیر و شكسبیر و مولییر ذوو الأدب الرشیق، فھل شككتم یوماً في سناھم البراق؟و إذ كنت حقا قد سرقت، فلا یزال یسرق النحل من الزھر الرحیق فھل شككتم یوما في أن العسل الرقراق من صنع سراق؟لیس الخلق من العدم إلا من صنع البارئ الخلاق…و الخلق من الخلق لیس قبیل الإختلاق، و لا یضیر في شيء مادامت تجملھ مكارم الأخلاق.

 

الباحثة فى علم النفس إلھام بنت فریج فى رسالتها للحصول على الماجستير تجيب عن سؤال  فى أذهان الغالبية منا وهو هل الأزمة فى شبكات التواصل الإجتماعى والإنفتاح المعلوماتى ام أنا العيوب الأخلاقية موجودة  بداخلنا بالفعل وقام الإنترنت بدوره بكشف زيف أخلاقنا  وأظهر عيوبنا الأخلاقية وبعدنا عن الإيمان والعقيدة؟

 

على مر الزمان دائمًا ما تتعرض العديد من الضوابط والعادات والتقاليد إلى التبدل والتغير وتختلف طريقة التفكير ، وعند النظر قليلًا إلى الخلف سوف نجد أن طبيعة الفكر والحياة سابقًا كانت مختلفة كليًا عن ما نحن عليه الأن ، وقد أبدع الكثير من الأئمة والأدباء في وصف تغير وتبدل الأشخاص عبر الزمان. يقول جو لامبل و سو موریس الإنترنت بحد ذاته لیس مشكلة، إنما تكمن المشكلة في كیفیة إستخدام الناس له. أحدثت التطورات التكنولوجیة الحدیثة في منتصف عقد التسعینات من القرن الماضي، نقلة نوعیة وثورة حقیقیة في عالم الإتصال، حیث إنتشرت شبكة الإنترنت في كافة أرجاء المعمورة، و ربطت أجزاء هذا العالم المترامیة بفضائها الواسع، فهي شبكة هائلة تصل ملایین الكمبیوترات و مستخدمیها حول العالم، إنه أداة رائعة كما وصفها كل من الأخصائیتین النفسیتین جو لامبلو وسو موریس في كتابیهما الإنترنت وكیف نحمي أولادنا و حیاتنا الخاصة، و أنها تغیر وستظل تغیر طرق تفكیرنا و تفاعلنا مع الناس و إنجازنا للأعمال.

"إنَّ المكارِمَ أخلاقٌ مطهَّرة فالدِّينُ أوَّلُها، والعَقْلُ ثَانِيها.

والعِلْمُ ثالِثُها، والحِلْمُ رابِعُها، والجود خامِسُها، والفَضلُ سَادِيها

والبرُّ سَابِعُها، والصَّبرُ ثامنها، والشُّكرُ تاسِعُها، واللِّينُ بَاقِيها

والنَّفسُ تَعلَمُ أني لا أصادِقها، ولست أرشدُ إلَّا حينَ أعصِيها"... "على بن أبى طالب"

 

وتعتقد كلا من الأخصائیتین النفسیتین جو لامبل و سو موریسأن الإنترنت لیس سیئا بحد ذاته، و أن المشاكل التي یسببها لیست جدیدة تماما و لكن و لسوء الحظ فالإنترنت معرض لسوء الإستخدام، و خلاصة الأمر هي أن كل ما ینتج عن إستخدام الإنترنت سببه طریقة إستخدام الناس له و طریقة ضبط تصرفاتهم، و هذا هام جدا إذ أن الأنترنت یتسرب إلى حیاتنا بسهولة فائقة، فهناك دائما جانب جید و سيء و بشع للحیاة و كذلك للإنترنت.

 

فأصبح كلا من الأخصائیین النفسیین و خبراء الكمبیوتر و حتى المحامیین، یبذلون جهداً كبیراً لمواكبة هذا التطور، أي أن الإرشادات القانونیة و الأخلاقیة أضحت تتطور باستمرار تبعا لظهور حالات جدیدة في عالم النت، و منه كذلك یتطور فهمنا لتأثیرات وإنعكاسات الإنترنت على الناس وعلاقاتهم. ومهد الطریق لكافة المجتمعات للتقارب والتعارف وتبادل الآراء والأفكار والرغبات، واستفاد كل متصفح لهذه الشبكة من الوسائط المتعددة المتاحة فیها، وأصبحت أفضل وسیلة لتحقیق التواصل بین الأفراد والجماعات، فظهرت المواقع الإلكترونیة والمدونات الشخصیة وشبكات من التواصل بین المحادثة، التي غیرت مضمون وشكل الإعلام الحدیث، وخلقت نوعا أصحابها ومستخدمیها من جهة، وبین المستخدمین أنفسهم من جهة أخرى.

 

"وقالت لي الشَّريعة: خيرُ شيءٍ شُمولُ العَدلِ أبناءَ الرَّعيَّةْ

وقال الجنديُّ: الشُّهرة خير وإن كانَتْ تقود إلى المنيَّةْ

وقال أخو الحصافةِ: خيرُ شيءٍ هو الحقُّ المبين بلا مَريَّةْ

وقالَ أخو الجَهالةِ: خيرُ شيءٍ سُرورُ النَّفسِ في الدُّنيا الدَّنيَّةْ

وقال لي الفَتى: وَصلُ الصَّبايا وقالت لي "الهوى" البنتُ الصَّبيَّةْ

ولمَّا أن خلوتُ سألتُ نَفسي لأعرِفَ رأيها في ذِي القضيَّةْ

فقالت: لا أرى خيراً أبقَى مِن الإحسانِ للنَّفسِ الشَّقيَّةْ"... إيليا أبو ماضى

 

ويرى عبد الكریم بكارأن  بعض البیوت یسودها التهجم والنقد و الشجارمما یحرم الأبناء من السعادة والأمن، و هذا ما یدفعهم إلى أن یلتمسوا ذلك خارج نطاق الأسرة،و قد ینخرطون مع رفاق السوء من أجل الحصول على ما حرموا منه في بیوتهم . إن الوضع الأسر ي تغیر تغیرا جذریا، بحیث وجد الأبناء أنفسهم في خواء، و أن لهم أن یطمئنوا إلى بیت لا ینبض بالحیاة؟! بینما الدنیا خارجا زاخرة بكل ما هو حيوى مغر و مثیر؟… فكثیر من الأباء یظنون أن إغداق المال على أبنائهم یولد لدیهم الإمتلاء الروحي و التشبع النفسي، مع أن الذي ثبت أن الطفل یحتاج إلى القلیل من المال و الكثیر من الحب و التفهم و الرعایة .

 

فقد كان الأبناء قدیما ًیرون في الوالدین الملجأ النفسي الوجداني الذي یصد عنه زوابع الأیام، و كانوایجدون في قوة والدیهم و نخوتهم ما یشعرهم بأنهم في أمان و طمأنینة، بل إنهم كانوا یجدون في حكمة والداتهم ما یوقفهم على ما یجب ان یسلكوه في خضم الحیاة، و هنا یجب ان ننوه الى الحكمة الحدسیة التي كانت تتمتع بها الأمهات القدیمات، حتى وإن لم تسعد الواحدة منهن بالحصول  على مؤهل دراسي، بل إن نعمة الحكمة كانت هبة. و لعل الهزیمة قد حاقت بالرجل في نطاق الأسرة و إستلبت منه جمیع سلطاته التي كان یتمتع بها قدیما، و لكن من الطبیعي أن یفقد الأب العرش الذي كان متربعا علیه في الأجیال القدیمة بعد أن شاركته الأم في الإنفاق على الأسرة. و لكن هذا لا یعد سببا كافیا في فقدان الأب سلطته على أبنائه، و زوال باب الإحترام الذي كانوا یكنونه له، بل إن الأب العظیم لا یستمد إحترام أبنائه له من سلطته علیهم، و لكن یستمد سلطته علیهم من إحترامهم له، إحترام السلطة شكلي، و إحترام العظمة ینبع من الأعماق .

 

"لَعَمرُكَ مَا الأخلاقُ إِلا مَوَاهِبٌ مقسمةٌ بينَ الورى وفَواضِلُ

وما النَّاسُ إلا كادحانِ: فعالمٌ يَسيرُ عَلى قصدٍ، وآخر جَاهِلُ

فذو العِلمِ مأخوذٌ بأسبابِ علمهِ، وذُو الجَهلِ مَقطُوعُ القَرِينَةِ جَافِلُ

فلا تطلبنَّ في النَّاس مثقالَ ذَرةٍ مِنَ الوُدِّ؛ أمُّ الوُدِّ في النَّاسِ هَابِلُ

مِنَ العَارِ أنْ يَرضَى الفَتَى غَيرَ طَبعهِ، وأنْ يَصْحبَ الإِنسانُ مَن لا يُشاكِلُ!"... " محمود سامى البارودى"

 

ويذكر يوسف ميخائيل أننا لا نبالغ إذا قلنا إن من أخطر المشكلات النفسیة التي تجابه أبناءالیوم أو أبناء هذا العصر هى الإحساس بضعف الآباء و إهتزاز مكانتهم في الأسرة، فلقد كان الأب قدیما قبل دخول الزوجة مجال العمل هو صاحب الكلمة العلیا في الأسرة، و صاحب الرأي الحاسم في المواقف الحساسة أو الحرجة، و لكن الأب الحدیث و قد شاركته الزوجة أعني الأم في مسؤولیاته الرئاسیة العلیا،فإنه إستسلم في النهایة لسلطان المرأة في البیت، بحیث لم یعد لرأیه قیمة، و صارت المشورة ضائعة بین الأب و الأم، بل قل ان الأمر صار نهبا في الأسرة لكل فرد فیها، و كثیرا ما یترك الإبن أو الإبنة لمواجهة مصیرهما في أدق شؤون حیاتهما، و قد عجز جمیع أفراد الأسرة عن تقدیم أي رأي إلیهما.

 

كما لا یخفى علینا أن الأسرة قدیما كانت تقوم بجمیع الوظائف المتعلقة بالخدمات و الإنتاج، فكانت بمثابة وحدة متكاملة و كأنها دولة كاملة الأركان فتقوم بجمیع الوظائف التي تقوم بها الدولة الكبیرة ولكن كلما أخذ المجتمع الإنساني في التعقید، ظهرت مؤسسات متخصصة في ناحیة ما من النواحي التي كانت الأسرة مسؤولة عنها في الماضي، و لم یعد للأسرة في الوقت الحاضر سوى وظائف قلیلة، و حتى تلك الوظائف القلیلة المتبقیة للأسرة الحدیثة مهددة بالإستلاب منها، بل نخشى أن نقول إنها استلبت بالفعل أو هي آخذة بالفعل في الإنقشاع عن مجالها.

 

إن المسألة لم تتوقف على الجانب الإجتماعي فقط، بل هناك أیضا التغیرات التكنولوجیة التي زحفت حثیثا إلى نطاق الأسرة وصارت دعامة من دعامات حیاتها الأساسیة.و على الرغم من أن تلك المقومات التكنولوجیة و ما یستجد علیها بعد ذلك من وسائل توفر الرفاهیة و الراحة قد أر احت أفراد الأسرة الحدیثة من كثیر من الجهد المبذول:فإنها قد عملت على الإحساس بالإستغناء عن مساعدة باقي أفراد الأسرة، و إما عن وسائل الإعلام خاصة التلفزیون و الإنترنت فقد أحدث دخولها إلى رحاب الأسرة ثورة تربویة هائلة في نطاق الأسرة ، فبعد أن كانت الأسرة قبلهما وحدة مغلقة لا یمكن لأحد سبر أغوارها أو التدخل في شؤونها، نإهدم ذلك الحجاب الذي كان یفصلها عن العالم الخارجي، و أصبح بمستطاع المسؤولین عن الإعلام و التربیة أن یتدخلوا بالتأثیر المستمر فیها، و بالتالي أمكن تذویب كثیر من القیم التي كانت الأسرة القدیمة تحافظ علیها و تعتبرها تراثا لأفرادها لا یمكن أن تتنازل عنه أو تفرط فیه وإن تلك العو امل الجدیدة صارت تلتهم القیم الأخلاقیة الأسریة و تحل محلها قیما أخرى بدیلة من الصعب الحكم علیها بأنها أفضل أو أقل قیمة، و لكن مهما یكن من شيء، فمما لاشك فیه ان زمان التأثیر الأخلاقي لم یعد في ید الأسرة، بل صار في أیادي أخرى تنافس الأسرة في التأثیر التربوي على أبنائها.

 

علاج إدمان السوشسيال ميديا أحد أشهر أنواع الإدمان السلوكي في العصر الحالي فالإدمان لا يقتصر علاج الإدمان علي المخدرات فحسب بل إدمان المخدرات نوع أخر يسمي الإدمان المادي إلا أن هناك أنواع لا تقل خطورة عن إدمان المخدرات مع إنتشارها بشكل مفزع في المجتمع فكيف نعلاج إدمان مواقع التواصل الإجتماعي؟ من أشهر مواقع التوصل الاجتماعي الموجودة في العالم ( تويتر - انستجرام - واتس آب- الفيس بوك - سناب شات - جوجل بلس – بي انترست – لينكيد ان ) وغيرها من مواقع السوشيال ميديا التي لازالت تغزو العالم وكل من تلك المواقع تجذب إليها جماهيراً غفيرة من الشباب والفتيات .

 

يشير العديد من الأطباء النفسيين ان إدمان السوشيال ميدياً أصبح شبيهاً بالإدمان علي المخدرات وفي الدول الاوربية كما أن هناك مراكز لعلاج الإدمان يوجد مراكز مخصصة لعلاج السوشيال ميديا بل أن هناك أكثر من دكتور نفساني يؤكد علي أن علاج الإدمان للإدمان علي مواقع التواصل الاجتماعي أصعب من علاج الإدمان علي المخدرات ولا نقول أخطر من معالجة إدمان المخدرات لكن تخلي الأشخاص عن السوشيال ميديا ليس بالأمر الهين علي الإطلاق , وللأسف هناك الكثير منا لا يشعر بهذا النوع من أنواع الإدمان الذي بدأ ينخر في عضد الأسر في جل المجتمعات العربية !

 

وقد جاء في ذلك الحديث الشريف الذي روى عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قول رسول الله – صلَّ الله عليه وسلم – : { قال الله تعالى : يؤذيني ابن ادم ، يسب الدهر ؛ وأنا الدهر أُقلب الليل والنهار } ، وهذا يؤكد ضرورة أن يحرص كل مُسلم على الانتباه إلى الحقيقة الدامغة وهي أن الدهر لا يتغير بينما الإنسان هو الذي يتغير في سلوكه وأخلاقه وردود فعله نتيجة الابتعاد عن أصول الدين .