ومازالت الحياة مستمرة ومازلت سأحكي لك الكثير في حواديت الليل 

هذه المرة سأخبرك يا عزيزي ذكري جمعت بداخلها قصتين لا يوجد رابط بينهما ولكن الحياة ربطتهما سويا،، وحتي لا أقف بمفردي ضائعا قررت ان أقص كل شىء عليك..لعلك تستطيع أن تجد لكل هذا مخرجاً.. 

------------

بينما كنت جالسا ببلادة تامة طافت دورة غريبة في رأسي بدأت حيث تبدأ دوما ..من نظرة فإعجاب فخطوبة كان طرفها شاب متعطش من بعد نظرة قصيرة سحبته لتأتي ليلة الفرح...

انقطعت افكاري ليأتي صوت امراءة عجوز من بعيد يردد: "ركز علي ما تريده بالظبط، فإنها الافراح الممتدة التي تفتح باب الحزن اللانهائي"

-------------

لطالما اردت في صغري ان أتوجه للترعة القابعة في مقدمة الشارع الذي أسكن فيه ..لأجلس أمامها واستمتع بمنظر الخضرة من حولها وأذهب بنظري للجهة المقابلة فأجد ابقار عديدة تستلقط العشب بهدوء،، لم استطع إيجاد خللاً واحداً في هذا المنظر الخلاب..

جلست استرجع ذكرياتي عن هذه الترعة وبينما خيالي يرتب الأبقار ويصنع الأعشاب بأستمرار خوفاً أن تذبل الابقار في مخيلتي وتموت، واتجه بعدها عقلي يغزل أشعة الشمس وضوءها الساقط علي المحيط بأكمله ثم وقف أمام مياه الترعة ،، صرعه عمقها وسوداها بينما ذكري جدتي تأتي من القاع ببطء...

بدأ عقلي يضطرب ونبضي يزداد بجنون،،وبينما تتقدم صورة جدتي أكثر يرسل عقلي اشارات لاطرافي فترتعش وينتفض كل جسدى ،،ولكن الاشارات لم تصل لنهاية طريقها فوقف عقلي صريعا بمفرده امام الذكري التي كانت تستمر في اقترابها..

كنت طفلا وقتها ولكنني مازلت أذكر ليلة وفاتها، أذكر العزاء الفخم الذي أقيم، حيرني قليلا حتي شككت انه فرح وانها لم تتوفي، كما أنني لا أذكر أن أحد من أبنائها -أعمامي ووالدي- قد بكي وفاتها، كل ما كنت أذكره هو لهوي مع اطفال الحارة بينما كان العزاء قائماً ..بينما كان المقرئ يتلو الربع خلف الربع كنت ادور بين الكراسي في سعادة بالغة..

كانت ليلة سوداء كنت فيها الوحيد الذي يلهو..كنت الوحيد الذي سرق ابتسامة من فضاء الحزن الممتد.

،،ليحسبه عقلا لوهلة إنتصاراً علي الحياة القاتمة التي غيمت علي العزاء والعالم بأكمله،،

-------------

،،ركز علي ما تريده بالظبط...،،

استمرت صورة جدتي-رحمة الله عليها- في التقدم من القاع حتي عندما اقتربت من السطح اختفت كفقاعة المياه التي تنفجر فلا يبقي لها أثر، ليهدأ عقلي ويخفت صرعه وتعود الاشارت من منتصف الطريق خائبة الأمل في الوصول..

بينما لا تزال في مخيلتي الابقار الساكنة والعشب الذي لا ينتهي، كانت المياه لا تزال سوداء ..عميقة ..تقتلني كلما نظرت إليها ،وكلما حاولت أن أزيد من أشعة الشمس قوة ،كانت المياه تزداد في عمقها وسوداها..

،،لتأتي ذكري أخري من أعماق مياه الترعة السوداء،،


-------------
"ومن لا يحتفل وهم يقيمون الأفراح من حوله..لن تحتفي به المعازف عندما يبتسم"

كانت الذكري هي "إعداديتي" حين حصلت علي المركز الاول بين مجموعة المتفوقين، أذكر كيف كنت متأخر في النصف الاول بعد إمتحانات الترم الأول وبدون أي مقدمات تقدمت السخرية لتغزو المكان، ولكنني لم أهتم حتي حققت ما أردت ..وحانت لحظة إبتسامة النصر

،،انها اللحظة التي سأسرق فيها من الحياة القاتمة إبتسامة،،

كنت قد ابتسمت ولكنني لم أشعر بأى شىء ،لم أستشعر فرحة الطفل الذي كان يركض في عزاء جدته بكل جهل، لم أحس بأي نصر، بدا كل من قدم لتهنئتي بائساً حزيناً، فاستحالت الإبتسامة علامة تعجب عملاقة ،،ظلت طويلا فوق هذه الذكري دون أن أفهمها..

-----------

استعدت هذه الذكري وتأكدت لحظتها أن الحياة كانت قد سرقت روحا من أرواحي المثابرة الشجاعة وبدلتها بروح هشة ..فلم تعد روح طفل يضحك بلا هدف ولن تصير أبد ما حييت روح شاب مكافح يرغب في بعض الراحة والسعادة..

،، فبينما الافراح تقام من حولي..كانت مياه الترعة تزداد في سوادها وعمقها..وتستمر نظراتي اليها..

..ليتغير حينها نظرتي تجاه كل شئ،،