- لماذا نكتب؟

نفس السؤال، قد يتبادر متزامنًا في أذهان كل من المدون والقارئ وقد يتطور السؤال أحيانًا إلى درجة أكثر تعقيدًا: ما قيمة الكتابة نفسها في مجتمعنا؟ وماذا نستفيد من الكتابة؟

بطبيعة الحال لكل منا طرح ما يشاء من أسئلة واستفهامات للحصول على مساحات أكبر من الضوء والمعرفة، لكن أذهاننا عادة ما تتساءل بمستوى ملائم لبيئتها الثقافية والاجتماعية ولا يمكنها تجاوز ذلك.

ولعل من يمسك قلمًا أو يضع أنامله على كيبورد، عادة ما يغض الطرف عما يثنيه عن الكتابة والتعبير والعزف الصامت لا سيما تلك الأسئلة الصعبة والمحبطة أحيانًا.

أصحاب الأقلام كأصحاب الكاميرات يحزنهم ضياع لقطات نادرة أو مشاهد لن تتكرر، يحزنهم مرور الخواطر والأفكار دونما توثيق، يصورون بأقلامهم، يرسمون بالأحرف، يقومون بكل ذلك وهم أكثر الناس قربًا من إجاباتها إن أرادوا الإجابة عنها.

- الكتابة.. رسم وترجمة:

في استطلاع ذي صلة بعنواننا، عبر عدد من هواة الكتابة عن ارتباطهم بها، قالت الطالبة الجامعية منى يحيى لزم: «أكتب لأعبر عما بداخلي تجاه شيء ما أو شخص ما، أكتب لأرسم لوحة وابتسامات علي وجوه عاشقي القراءة، لا أعرف لماذا أكتب على وجه التحديد، لكني ساظل أكتب حتي تمتلئ أوراقي، وينفد الحبر من أقلامي».

أما محمد عبدالله المك فيقول: «الكتابة أداء منظم نعبر به عن أفكارنا ومشاعرنا ووجهات نظرنا»، وتقول الاختصاصية النفسية هدى محمد: «نكتب لنترجم ما يجيش بدواخلنا، بعضنا يكتب لنفسه، ومنا من يكتب ليفيد الآخرين».

- ملعب واسع وأخضر:

حملة الأقلام وهواة الكتابة يحزنهم تساؤل الناس عن دائرة سعادتهم، يقول أحدهم: «في عالم كرة القدم تنزعج الجماهير من دخول الخصم لنصف الملعب الخاص بها، فضلًا عن توتر المدرب وارتباك اللاعبين، وفي عالم الكتابة يحزننا دخول الجماهير إلى ملعبنا أيضًا». جميل ذلك الملعب وواسع وأخضر، بحفيف كيباده أو صرير الأقلام حسب وصف الشافعي: "وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق".

- ارتباط بمهنة الموت:

قدَر المدونين أن تكون "هوايتهم" ذات ارتباط وثيق بملعب آخر ساخن وساحة وغى ومهنة متاعب وموت زؤام، وليس من السهل فك الارتباط وفصل الصلة وقطع العلاقة معها، رغم أن المدونين ليسوا صحفيين دائمًا كما يتصور كثيرون وإن جمعتهم الوسيلة والأساليب والقنوات أحيانًا كثيرة.

في بعض الأحيان، قد يتطور المدون إلى صحفي محترف ويحدث العكس أيضًا في حالات كثيرة! للعودة إلى روح الكتابة ومتعة الهواية حين يكتب صحفيون كبارًا كتابات (غير صحفية) وغير مدفوعة الأجر وغير ملتزمة بخطة نشر.

يكتب المدون وحاله كالمنفق يهب من منح الواهب ويعبر قلمه عن حاله قائلًا:

«لا خيل عندك تهديها ولا مال

فليسعد النطق إن لم يسعد الحال»

برأي الكاتبين: ليس أجمل من النطق الصامت، كلمات وحروف متلاصقة تصنع ابتسامة هنا وتمنح أملًا هناك، وكم معاناة حكاها كاتب فتحت أبواب أمل لم تغلق بعدها.

- اختبار الوفرة والإتاحة:

وإذا كانت المعرفة قد شرعت في العودة مرحلة إلى الشيوع والتشاركية والمجانية، ومغادرة نقطة الندرة والاحتكار بفضل ما وفرته تقنيات الطباعة والتصوير والاتصال وغيرها من أدوات العولمة- فإنها قد صنعت تحديات جديدة للمجتمعات والأفراد لا سيما النخب، يتمثل في القدرة على التلقي والاختيار والفرز. إن الوفرة والإتاحة اختبار لا يقل صعوبة عن اختبار الندرة والسيطرة.

إن التدوين وسيلة ترفيه جادة ومنفذًا ومتنفسًا في بيئات يقترب أفقها إلى الانسداد، وهواية منتجة، وأداة للمحافظة على اللغة ونقل المعرفة..

- بين الكاتب والفكرة:

عادة ما تفتقر العلاقات إلى فضاء اتصالي جيد، وتزداد حاجتنا لجودة البيئة الاتصالية كلما كانت العلاقات بين المفردات متقاربة ومتداخلة. إن مساحة ما بين الكاتب والفكرة قد لا تسمح له بالتأمل في طبيعتها ومتطلباتها، وإن كان ذلك مهمًا وضروريًا.

في مبتدر الصبا الفكري، ينصب اهتمام الكاتب على ما بينه وبين اللغة، وفي مرحلة تالية يشرع في التخفف من قيود اللغة لصالح الفكرة، وقد يهتم بدرجة أكبر بالقوالب على حساب المضامين، وقد يعيش صراعًا بين التركيز في الفكرة، وإدمان القوالب. أما في مرحلة النضج، فيلتفت إلى مستوى ما بينه وبين أفكاره المنتجة، بغض النظر عن قوالب عرضها أو مراكز تسويقها.

- لا تحتمي بصفة "كاتب":

مما يؤخر نضج الكاتب وصاحب القلم، انشغاله ببريق الصفة عن محتواها. في مقالات سابقة، انتقدت وصف الكاتب لنفسه بصفة «كاتب»، أو «مدون»، وذكرت أن تلك الصفات ما هي إلا «أوصاف موجزة» تستخدمها الجهات الإعلامية لتسويق ضيوفها، والاحتراس مما قد تسببه الصفات الوظيفية من مشكلات قد تكلفها معنويًّا وماديًّا.

إن ما يدفع كثيرًا من الكتّاب للاحتماء ببريق الصفة، فقدانهم لصفات اجتماعية أو مهنية ميدانية حقيقية تعبر عنها كتاباتهم وإنتاجاتهم الفكرية. إن ما ننتجه من أفكار بغض النظر عن قوالب العرض، يفترض أن يمثل امتدادًا لأنشطتنا الحقيقية في عالم الواقع. وإذا اتسعت مساحة ما بين نبض الورق، ونبض الواقع فإن ثمة أوضاعًا غير جيدة تتطلب التدارك.

- مهنة ذات بريق:

يتبع تعظيم المكتوب تعظيم الكاتب نفسه، لتتكون صورة زاهية ومضخمة للمهن المرتبطة بالكتابة، وقد لا يهتم بعض الكتّاب بالخلفيات المذكورة، مما يدفعهم للغرور أو النظر إلى أنفسهم بمرآة مكبرة.

- ليست نشاطا خارقا:

الكتابة أداة للتعبير والتواصل ليس أكثر، والكاتب كالمتكلم يعمل على نقل فكرة إلى طرف آخر مشارك له في الفضاء الاتصالي، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، وليست نشاطا خارقا..

في أنشطة تعزيز الهوايات، يبحث المدربون عن أكثر الهوايات المشتركة بين الطلاب، للشروع في تنميتها وتطويرها. ويرى مختصون أن أنشطة الاتصال هي أكثر ما يشترك فيه الناس، ولا يمكنهم الاستغناء عنه. إن الكتابة من أهم أدوات الاتصال في عصر تزداد فيه الحاجة إلى تواصل كتابي واسع النطاق، ويرى المهتمون أن الأميين سيعانون من صعوبة استخدام أدوات العصر، و"العاجزين عن الكتابة" أيضًا.

في البرامج ذات الصلة، نستخدم نموذجًا تدريبيًا يصنف هوايات الطلاب إلى أربعة أقسام، وبحسب النموذج فإن أنشطة الكتابة والرسم تقع ضمن الأنشطة المهنية والإنتاجية بوصفها «عملًا وإنتاجًا ذهنيًا» إلى جانب الأعمال المهنية الأخرى والإنتاجات المادية. ويرى بعض المدربين أن نموذج ASC يسهم بشكل فعال في تعزيز الأنشطة المفضلة للطلاب باعتماده على تصحيح فكرة «الهواية» نفسها في أذهانهم، واهتمامه بالأنشطة الاتصالية كمشترك بين الأشخاص.

- اتجاه تركيز الكاتب:

بحكم عمله في فضاء اتصالي واسع، تترتب عنه تفاعلات اجتماعية كثيفة ومستمرة، قد يفقد الكاتب السيطرة على زورقه، ويضطرب بين الاهتمام بالقراء، والمتلقين، والحرص على إنتاج وكتابة ما يعجبهم ويرضيهم، أو الاهتمام بتنميق مفرداته وامتطاء جديد المصطلحات وغريبها لمغازلة أصحاب الفضائيات والمنابر.

إن الكاتب بحاجة إلى تجويد مستوى الاتصال بينه وبين أفكاره؛ حتى تصبح كتاباته وإنتاجاته عقدًا منتظمًا يسهم في تراكم المنتج المعرفي، ولا يتأتى له ذلك، إلا باتصال جيد آخر بين منتجه الذهني، ومجال نشاطه الحقيقي على أرض الواقع. وتحكي الأوساط الرياضية عن طائفة كبيرة من الكتّاب والمحللين المتخصصين في «الكرة»، ولم يخسروا قطرة عرق واحدة في ملاعبها. وفي مختلف المجالات لن تجد صعوبة في التفريق بين المزارع حين يكتب عن دورة حياة الشجرة، وبين من يحدثك بأسلوب مبهر عن ميزات "زراعة القمح" في المناطق المطيرة!!

- تدوين جداري:

في مجتمعات تتسع فيها رقعة الاستبداد بمختلف صوره ودرجاته، تصبح الكتابة على الجدران أو الرسم عليها وسيلة اتصال ذكية توظف المتاح من الأدوات بأقل كلفة وجهد، وإن كانت في شكلها العام مظهر تخلف وتأخر اجتماعي. وتتعدد أساليب التعبير عن الأفكار والمواقف (جداريًا) بحسب الشخص والدوافع ودرجة انسداد الفضاء الاتصالي في المجتمع.

- الجدران وأدوات أخرى:

في المدارس والجامعات يستخدم الطلاب والعمال عدة أساليب وأدوات للتعبير عن رفضهم لقرار ما، أو امتعاضهم من سياسات إدارية معينة، أو لتقديم رؤى حول موضوع يهم المؤسسة. ويعبر الطلاب خصوصًا عن مواقفهم بالكتابة على لوحة الفصل الدراسي وجدرانه وأثاثاته، إضافة إلى التعبير عن نفس الأغراض السابقة على الكتاب المدرسي أحيانًا.

- الإنسان مدين للكتابة:

إن مجموعة مديني الكتابة تغطي مساحة أكبر، وليست مقتصرة على المدونين وهواة الكتابة فقط. ولعل البوست الجدراني- إن صحت التسمية- مدين للكتّاب والنشطاء بفضل كبير قد يناهز ما تقدمه الوسائط الاجتماعية وأدوات التواصل.

وتزداد حاجة الإنسان لوسائط جديدة للتعبير والكتابة بتزايد مستوى الاستبداد والكبت بمختلف ضروبه وأنواعه. قبل الهواتف كان المراهقون أكثر الفئات الاجتماعية استخدامًا للبوستات الجدارية للتعبير عن مشاعرهم وبث أشجانهم. يلي المراهقين في استخدام الحوائط للتعبير- إعلاميو الأحزاب السياسية المضطهدة والمحظورة؛ للتواصل مع الجمهور والتعبير عن مواقف الحزب وأفكاره.

- تشفير الرسائل الجدارية:

كانت الكتابة الجدرانية وسيلة تعبير وتواصل بين الكاتب والمتلقي، وإن كانت بلا توقيع أو تاريخ نشر كما هو الحال في تغريداتنا على الجدر الإلكترونية. في التواصل العاطفي عبر جدران الحي، يطلع المتلقون على جملة الرسائل المكتوبة، ويتعرف كل منهم على ما يخصه من رسائل اعتمادًا على نوع الخط وحجمه وموضعه في الجدار.

- الاستبداد خصيم التطور:

ما زالت الجدارن تلعب نفس الدور، وتسهم بقدر كبير في فك أسوار القهر وتكميم الأفواه، وتنوب عن كل المتاح من الوسائط قديمها وجديدها من إذاعات وقنوات تلفزيونية وفضائيات وإنترنت وهواتف.

بالرغم مما توفره الأدوات الاتصالية المتاحة من فرص التواصل وتبادل المعرفة والتجارب، إلا أن واقعنا يحكي ضد ذلك، حيث يرى المستبد السياسي أو الاجتماعي أن ما يهدده اليوم لم يعد الإنسان أو الشعب، وإنما هاتف نقال ولوحة مفاتيح وخدمة اتصال جيدة.

في بداية ظهور مواقع التواصل، تنبأ بعض المهتمين، بحدوث تغييرات جذرية في طبيعة العلاقات في المجتمعات العربية، وهذا ما حدث بالفعل في موجات ما اشتهر بالربيع العربي، وإن كانت هناك عوامل أخرى أدت إلى حدوث ما جرى وما يجري حاليًا.

- ملجأ من واقع سيئ:

كثيرًا ما توصف الكتابة بأنها وسيلة للتعبير عن الإحباط واليأس، ومحاولة للاحتماء بعالم الورق، وقد يكون ذلك صحيحًا في بلداننا على وجه التحديد. في هذا الخط يقول عضو في مجموعة مدوني الجزيرة: نلجا للكتابة حين تتكسر الأحلام على كواهلنا.. نقاوم بها وخزات اليأس.. نناجي الواقع الموبوء من خلال أمساك قلم يخط ايقاعا.. لتتراقص الآمال بين جوانحنا.. الكتابة نوع من التفريغ.. تخلصٌ من الكبت.. جزء من التمويه عن تلك الأيام التي سرقتنا، وعن ذلك المستقبل الذي يجهز لنا شباكه، ويستدرك ببعض الجمل المتفائلة نوعًا ما: الكتابة قد تكون قدرًا محتومًا لأولئك الصاعدين على مسرح الإبداع.. من يتناغمون مع التألق.. من يعيشون أجواء عشق مع المعرفة.. أو حياة علياء على أسطح الأفكار.

- مقاومة تغييب الوعي:

ولأنه يقوم على فرضيات الأزمات الحلقية المتصلة ببعضها البعض، فإن المستبد يظل أكثر حرصًا على التجهيل وتغييب الوعي، وتجده أكثر ضراوة في محاربة أدوات المعرفة ومنافذ التنوير. إن تعطيل قنوات الاتصال أو خدمات الإنترنت أو حجب المواقع المعارضة، ليس إلا أمثلة لما يراه المستبد من أخطار التوعية بالكلمة وإن كانت تغريدة عل جدار إلكتروني لا تحمل رشاشًا ولا قنابل يدوية. إن ما يقوم به المستبد من تعسف لا يستهدف من هم اليوم تحت عصا الطاعة، أو تحت رحمة الإغراء بالمال والكراسي الدوارة، وإنما تمتد أنظار إلى تلك الأجنة التي لم تتخلق في أرحامها بعد.

- المعرفة عدو المستبدين:

ليست المعرفة المعنية تلك المعلومات الباردة المعبأة الملقاة على أذهان الطلبة أو في مطاحن أدمغتهم، لكنها تلك المحفزة للوعي، الدافعة إلى الإحساس بالكرامة. إنها المعرفة المتجاوزة لأسوار القبيلة والطائفة والحزب والسيد. يبدو المستبد أكثر حماسًا وتفاعلًا مع أدوات التواصل الحديثة ومختلف منتجات العولمة لو اقتصرت على مقاطع الرقص وإحراز الأهداف والمصارعة وتوثيق الحياة البرية. أما أن تصبح حاملة لأفكار وناقلة لوعي، فذلك سبب كاف لردعها وتحجيمها وإن أعاد حياة الشعب سنين تقنية، أو حرم أجيالًا من مناظرة رصفائها في مواضع أخرى من الأرض.

- علماء في محيط التجهيل:

إن الدعوة للتجهيل ومحاربة المعرفة لا تتم علنًا بطبيعة السياق، لكنها تستخدم مراكب شتى، من بينها أهل المعرفة أنفسهم بمختلف مجالاتهم وتخصصاتهم ومضاربهم العلمية والمهنية؛ لتحقيق نتائج آكد وأسرع وأبلغ أثرًا. ويحظى متابعو القنوات الحكومية، بمشاهدة فئام من أولئك المسبحين بحمد الأنظمة والطائفين بكراسيها، ولعل المتابع للإعلام العربي قبل ثورات الربيع وما تلاها من استعادة الرموز العتيقة للأنظمة المنهارة لمراكز نفوذها، يقرأ بوضوح كم تدمى بلداننا من بعض مثقفيها وقادة الرأي فيها حين يمحو الليل ما يقوله المثقف نهارًا، وتمحو دموعه ما خطه بالأمس في ذم النظام.

- كتابة ما بعد الاستبداد:

إن كان لنا أن نتصور واقع ما بعد الاستبداد فيما يتعلق بالتعبير والكتابة، فسنرى كل المنتجات الاتصالية في خدمة الإنسان، توفر له الوقت والجهد، وتسهم في تقدمه وتطوره بتبادل المعرفة والفكرة والموقف والمشاعر مع محيطه القريب والبعيد، حينها سنكتب باطمئنان دون خوف أو قهر، لتصبح كتاباتنا همزة وصل بين الأشخاص والمعارف والأنفاس.. أما قبل ذلك، فليس لكثير منا إلا الجدران.

- التعبير رقي حضاري:

في مختلف العصور، مثّل فن "التعبير" عن الأفكار والأحداث والمناسبات، قمة ما يمكن أن تصل إليه الحضارات الإنسانية من رقي وتقدم. إن التوثيق بتباين صوره وأشكاله، ما زال همزة وصل بين الأزمنة والأجيال، وأداة لنقل المعرفة وتوريثها وتعظيم قيمتها بعامل التراكم. وما بين أول صورة تم نحتها على جدران الكهوف والمغارات قديما، وأول حرف تم نشره على الجدر الإلكترونية، أزمنة طويلة جدا، لكنها متصلة بالطبع؛ لأن الحياة لا تقبل الفراغ.

إن إنتاجات الإنسان الذهنية ومنتجاته المادية خلال رحلة حياته الممتدة، لم تكن إلا محاولات مستمرة لضخ مزيد من الضوء، وصنع إتاحات أكبر. ولم يكن الإنسان المنتج أنانيا في معظم فترات التاريخ، إذ لو كان كذلك لما عاشت معارفه منذ عصر الحجر. ولم يكن العقل الإنساني الحجري متخلفا كما يبدو لنا من مقارنة أدواته بأدوات عصرنا.. بل كان أكثر انفتاحا من عقول معاصرة تنعمت "بتراكم معرفي" بدأه ذلك الإنسان الحجري العظيم.

- جهاد حضاري متصل:

ابتدع الإنسان الكتابة في صورتها البسيطة، وتضافرت جهود كثيرة تاليا في تطويرها وضبطها، وعُرفت فيما بعد أدوات التوثيق، ومن ثم الطباعة.. كانت كل تلك المراحل "جهادا حضاريا" متصلا لتنعم الأجيال الإنسانية التالية بقيمة ما نطلق عليه "التراكم المعرفي". كان الإنسان القديم في مختلف العصور والحضارات، بسيطا في حياته وأدواته، مكابدا صعوباتها في المأوى والتنقل وتوفير الطعام والماء، وقد تخللت حياته القاسية تلك أخطاء جسيمة ضد بني جنسه وثقها التاريخ، ولم يبررها، لكن ذلك "الحجري" لم يرق في أخطائه وتخلفه الذهني إلى مرحلة "حجر الفكر" وحجب المعرفة، ومنع التعبير.

- المعرفة في قلب المعركة:

رغم تقدم الحياة البشرية، وتطور أدوات الإنسان، وانتشار المعرفة، إلا أن المتصارعين في معترك حياتنا المعاصرة ما زالوا يستخدمون أدوات أكثر تقليدية مقارنة بطبيعة أدوات العصر، من ذلك إخفاء أسباب "الصراع" وإلهاء "الجماهير" بتفاصيل عديمة القيمة. إن معظم الصراعات في عصرنا لم تعد معارك حقيقية بين "أطراف" تتنازع شيئا حقيقيا، وإنما هي معارك مصطنعة، تهدف في جملتها إلى إلهاء الشعوب، وإغراقها في أتون جدال يبدأ ولا ينتهي، جدال حول كل شيء إلا حقيقة المعركة نفسها. في الصراعات المعاصرة عادة ما تغيب المعلومة، وتحجب المعرفة، وتكمم الأفواه بدعوى المحافظة على "الأمن" و"الوطن" و"مصالح المواطن". وبنفس الدعاوى السالفة يفقد المواطن المغلوب ما تبقى له من حرية وأنفاس ونوافذ.

إن دفاع الشعوب عن حريتها أمر لا يحتمل التأجيل، مهما كانت مسوغات المستبدين وقدرتهم على إنتاج مزيد من المعارك والصراعات، بغرض إطالة أعمارهم على رؤوس الخلق. ولعل أكثر ما يخيف المستبد ويقض مضاجع الطغاة، أن تعرف الشعوب، وتعي حقيقة ما يجري حولها، فضلا عن التواصل بين أهل المعرفة، وتبادل الأفكار بينهم؛ لبناء مواقف أكثر رشدا.

وحتى تعي النخب حقيقة معركتها مع المستبد، وتصبح أكثر صدقا في نقل "الصورة" إلى الجماهير، ستظل أدمغة الاستبداد وفية لتقليديتها في "الحجب والمنع والكبت والحصار" في عصر طابعه "الإتاحة والشفافية والتواصل والاندماج".

- الكتابة ثورة:

إن ثورة الاتصالات لم تكن مجرد منتجات تقنية لاستخدامات الطبقات المتخمة، لكنها كانت فعلا ثقافيا واجتماعيا كبيرا، وزلزالا لم يسلم مجال أو جهة من تأثيراته وتوابعه وهزاته الارتدادية. لم تكن الاتصالات في "ثورتها" تقليدية كقريناتها، لم تجيّش طرفها ضد آخر، لم تشتبك مع عدو ولم تخض حربا.. كانت ثورة لإزالة الحواجز والمتاريس والفواصل. ولم يكن لها أن توصف ب(ثورة) إلا لتجاوزها لما ألفته البشرية من أسوار ومداخل وأبواب كرست لمحتكري المعرفة والثقافة والعلوم أسوة بسدنة الأنظمة وسادة الاستبداد بتنوع صوره وأنماطه ومستوياته.

- كلُّ كمّ كيفه فيه:

ومن عجائب مجتمعاتنا أن (المحتكرين) يرون في ما أتاحته أدوات الاتصال الحديثة من فضاءات، خصما من أرصدتهم العتيقة لا سيما في سوق الثقافة والمعرفة والتوجيه. ولعل أجدر من يحدثنا عن قيمة الكم والوفرة هم أبناء العم هان، حين تقول الحكمة الصينية (كل كم كيفه فيه) لافتة إلى عدم الانشغال برافعي رايات (الجودة والتميز) لتبرير احتكارهم للأدوات والمنابر و(مساحات الرأي).

كانت ثورة الاتصالات و(فورتها) اجتماعية أكثر منها تقنية بحتة، لا سيما فيما يتصل بإعادة رسم علاقات المعرفة وأدوات تسويقها ونشرها، فضلا عن أساليب التلقي والتعلم، أو المشاركة والتفاعل مع منتج الرسالة الثقافية. إن تطور متابعي الإذاعات من مجرد مستمعين، إلى متفاعلين ومشاركين في البرامج الإذاعية، ليس مجرد تقدم تقني فقط، وإنما تغير كبير (في طبيعة العلاقة بين الإذاعة ومستمعيها) من شأنه التأثير في مجمل ما يقدمه المنتج بناء على استجابات وردود أفعال المتلقي.

- نهاية الأساطير:

من أهم ما قدمته أدوات التواصل في نسختها الاجتماعية، إسهامها المباشر في فك احتكارات الكتابة والقلم بإتاحتها مساحات متباينة للتعبير والنشر، بعد أزمان طويلة من استبداد طبقة بالكتابة لنا في علاقة جافة ذات اتجاه واحد. إن ما تعيشه مجتمعاتنا من تسلط سياسي، لا ينفصل عما تعيشه عقولها من قهر ثقافي يوظفه المستبدون ويستثمرونه بإفراط.

- التحام الثورات:

قبل تشكل الثورات السياسية الأخيرة في الشرق العربي، كانت ثمة ثورات نفسية وبالتالي اجتماعية في سياقات ثقافية ومهنية، أدى التحامها إلى إحداث ما عُرف إعلاميا بثورات الربيع. كانت الثورات صغيرة ومحدودة ومتفرقة في أذهان الشباب، وأوراقهم، ومن ثم في حوائطهم الإلكترونية.. كانت استقالة الناشط من حزبه صغيرة من وجهة نظر الحزب العتيق وسادته المعمرين.. وبنفس القدر كانت صغيرة ثورة الإعلامي (الصغير) المغادر لقناته ومفارقا لها، بعد فقدانه كل خيوط الأمل بسبب أصنام القناة وكهنتها، واحتكارهم لكل شيء.

- إزالة الأصنام وفك الاحتكار:

عندما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم، مكة المشرفة، وشرع في إزالة الأصنام الحجرية.. لم يبك عليها أهل مكة؛ حيث كان تكسير الأحجار تاليا لفك احتكار السدنة للمعرفة والتوجيه المجتمعي. أن حكمة النبي المسدد بالوحي كانت تستوعب الواقع بعمق وتنظر إلى المفردات في سياق متكامل، وتضع لبني البشر قواعد الفعل الاجتماعي المنتج. كانت الحجارة الجاثمة حول البيت العتيق مناظرة لمثيلاتها في أفئدة عُبادها وعقولهم، وما كان لامرئ عاقل أن يلتجئ لحجر أصم، لولا وجود (قارئ) مثبت في نظامه الداخلي حسب لغة التقنية.

- اضطراب القوالب الصحفية:

إن الارتباط بالقوالب والعكوف عليها، أشبه ما يكون بما ذكرناه من شأن الصنميين، وقد عشنا زمنا أهدرنا خلاله أوقاتا ثمينة من أعمارنا في التفريق والتفضيل بين المقفى والعمودي من الشعر، واشتعلت لذلك (الشأن) مصابيح المنابر والمناظرات، وسالت أودية بأحبار الفريقين.

واليوم نعيش صورة مماثلة في ساحة الكتابة، بعد ان فكت الأدوات الجديدة أغلالها وأعادتها إلى مجرد أداة للتواصل ونقل الأفكار، وأزالت عنها (الأسطورية) ووزعت أضواءها على عدد كبير من حملة الأقلام الإلكترونية والكيبادات، تاركة وراءها نفوسا ثكلى، ما زالت تتحسر على الكتابة والثقافة في (زمن) سابق، وازدحام القراء في دكان الجرائد.

أسهمت الأنماط الجديدة للنشر والتواصل الثقافي في اضطراب المتعارف عليه من قوالب الصحافة، وأضيفت أشكال وقوالب، وتغيرت أخرى؛ لتتماشى مع نفَس العصر وسرعته. في الصحافة الإلكترونية لا نكاد نفرق بين التقرير ومقال الرأي، بل نقرأ في أخبارها (الفاتحة) على قدسية الخبر المفترضة، وتطورت التقارير وتضخمت بتضمين الصور والروابط والتغريدات، وحافظت المقالات الحرة على كثير من حيويتها بالاقتراب من أسلوب البوست، حين نعنون فقرات المقال ونحرص على الاختصار.

إن الكاتب يختار الفكرة عادة، وتختار الفكرة قالب عرضها، وإن كان من عيب ففينا حين نقدس القوالب على حساب المضامين، ونرفض الإتاحة، ونشتاق إلى عصور "الاحتكار وتقديم القرابين" لصحيفتنا المفضلة حين تحصل على موافقة (الكاتب الكبير).