تلك اللمحة الأولى التي بيشاكس ضوء المدينة الصاخب عينيه التائهتين، تصدمه الحياة بواقعها المفتقر للكمال والنظام، و كأنها حبال متهالكة، متشابكة، يتشبث بها الناس، متناحرون على الخوض بين أشواكها، لا يعلمون أنها تنتهي إلى هاوية الموت.

     تلك اللمحة، دمرت صرحا ضخما بناه في عالم من نسج الخيال، كان قد لامس النجوم، صرح بناه بقلبه من أحلام و أماني، و أسقفه بطموحات ما كان ليدركها خيال بشر.

      و ماذا بعد ؟؟ فها هو بعينين انطفأ بداخلها بريق الطفولة المتلألئ، باردتين تعكس أمواج دموعه الساكنة على هدب عينيه من بعد تلاطم، يقف على أطلال صرحه المتهاوي ، بين الركام .

     و كان درسا لن ينساه علمته فيه الحياة أن النجوم ما هي إلا أجسام فلكية تبعد مليارات السنين الضوئية، لم يسبق و لن يلمسها أي شخص؛ لأنه بطبيعة الحال سيحترق قبل ذلك ، و أن المثالية ما هي إلا ضرب من ضروب الخيال، لا مكان لها في حياتنا اليومية التي جبلت على النقص؛ لحكمة أرادها الله تعالى، و تلك الأحجية الناقصة المدفونة في وجدان كل منا -التي يرى منها الحياة كما يجب أن تكون و يستقي منها أحلام اليقظة الوديعة - لن تكتمل مهما طوى الأرض طيا باحثا عن القطع المفقودة، لأن الكمال لله وحده.

     و برغم أن السعي للمثالية أمر مشروع بل محبب، ولكن إياك و أن تنتظر تحقيقه ما دمت تحت سماء كوكبنا.