رشا السيد احمد ووقعنة الخيال
لطالما كان الفن التعبيري صفحة مختلفة ومبدعة حقا من بين الفنون، وتقديما خالصا وجوهريا للإبداع الفردي الذي لا يختلط به غيره، لذلك يمكننا القول ان التعبيرية هي المولد الحقيقي والعنصر الاساسي للإبداع الفني في جميع اشكال الفنون ومنها الكتابة.
قد يرى الكثيرون ان التعبيرية هي رؤية مختلفة وتعبير مختلف عن الاشياء والاحداث يتميز بالزخم العاطفي والتوظيف المتفرد للغة وعناصرها، وهذا تام طبعا لكن في الحقيقة التعبيرية في احد تجسداتها هي اكتشاف والحديث عن علاقات بين الاشياء غير مألوفة والعيش بعمق في الخيال السريالي بقصد الرمز والاحياء والبوح العاطفي الشديد.
والشاعرة رشا السيد احمد في مجموعة نصوص تميل الى اللغة العلوية والقاموس السماوي، تكتشف علاقات جديدة بين المعاني وتتحدث بواقعية عميقة عن الخيال، محققة صورة نموذجية لوقعنة الخيال.
ولا بد للاشارة ان النقد التعبيري يحقق رؤية مختلفة وتعبير مختلف واكتشاف جديد، ولفظة (وقعنة) قد اخذتها من معنى الحديث عن الخيال كانه واقع، اي انها مشتقة من (الواقعي) وترد الى فعل مبتكر هو (فعلن) ولا اعلم ان استخدم سابقا، وهي على وزن فعللة من القعل الماضي (فعلَنَ). ولقد استعملتُ هذا اللفظ اول مرة في كتابي ( التقنيات السردية في القصيدة العربية 2020 صفحة 111)
حيث جاء فيه: (الفنون الأدبية تعتمد الخيال في بناءها، ليس فقط في ما ترمي اليه من معان ودلالات وانما في طريقة التعبير، وما الانزياح الا شكل من اشكال التعبير بوساطة الخيال، اذ ان العلاقة الانزياحية خيالية كما هو حال المجاز، اذ لا ريب ان هناك لاألفة بين المجاز في ذهن القارئ، لذلك لا بد على النص ان يطرح مجازه بشكل واقعي. وطرح المجاز -وهو علاقة خيالية- بصورة واقعية هو ( وقعنة الخيال ). ووقنعة اشتققناها من كلمة (واقعي)، ويمكن وصف حالة تحقيق الألفة لللاألفة التي يتميز بها الخيال التعبيري بانها حالة وقعنة له، فالخيال المجازي في علوه و بعده ولاألفته الذهنية حينما ينجح المؤلف في تقريبه والباسه ثوب الواقعية والحقيقية فانه طرحه يكون بصورة واقعية وحقيقية.) (الموسوي 2020)
اذن العناصر الاسلوبية لوقعنة الخيال جوهرها في امور هي:
1- طرح المجازي والرمزي بشكل توصيلي وواقعي.
2- تحقيق الألفة لللاألفة.
3- اللغة المتموجة بين التوصيلية الواقعية والمجازية الرمزية.
وهنا سنبحث بمنهج اسلوبي ظاهرة (وقعنة الخيال) في قصائد للشاعرة السورية رشا السيد احمد وسنعمد الى طبقة من المعنى ونقطة معنوية مركزية في كتاباتها تتمحور حول لقب (سيدة المعبد) الذي تستعمله الشاعرة في كتاباتها والذي له رمزية نورانية اشراقية، وحقق وقعنة للخيال من خلال العيش به كلقب كتابي واقعي رغم رمزيته.
في قصيدة (في ليل مدينة العشق) (مجلة تجديد 2025)
تقول (حين راحت تغيب النجوم مغادرة لمضاجعها أصابتني روحه بلذة النعاس المُسكرِ \ كانت نجمة الصباح ترقبني وأنا أغفو في عينيه قصيدة حرة لا تعرف غير التحليق)\ كل عوالمه كانت فاتنة تسحرني برهيف أضواءها الليلية و جمال مدنه \ قصيدة مسافرة للأعالي تتجه لكون خيم عليه سلام أبدي و عرشت في قبته نجوم السماء \ فقط هو وأنا كنا نلهو مع النسمات تارة وتارة نستمع لملائك السماء ماذا تقرؤنا \ و كلما استمعنا لما يقرؤنه نرتقي أكثر وكلما أرتقت أرواحنا )
ربما لا نحتاج الى كثير كلام لبيان كيف ان المقاطع التوصيلية اندمجت مع المجازات والانزياحات بيسر ودون غرابة كبيرة مع ان النص غرائبي وخيالي. ونلاحظ القاموس الذي يعتمد السماوية والملائكة والنورانية. ونجد اللغة المتموجة بين الواقعية والخيال بتقابل الفاظهما، وبين الالفة واللالفة في المعاني والحكايات، ورغم ان جوهر القصيدة المعنوي هو تعبير شعوري وعاطفي مجازي وخيالي الا ان الشاعرة نجحت في طرحه بلغة سهلة للقارئ جعلته يشعر بواقعيته. لقد تجلت وقعنة الخيال من خلال اللغة المتموجة وألفة اللالفة وتوصيلية المجاز وواقعية الرمز.
وفي قصيدة (قصيدة من نور ) ( مجلة تجديد 2025)
(كقصيدة دافئة في برد البعد ذاك النور تخلل قلبي فجأة و عبر ردهات روحي\ فوقفت على روؤس أصابعها وراحت ترقص فرحا به كفراشة سعيدة \ بينما كانت ملكات روحي العليا تلتقط من الكون تلك الإشراقات الرائعة \وهي تقول هكذا أنت مثل بدر في قبة السماء يعبرني برقة إشراقته\ هكذا أنت برقة يحدث داخلي الإنخطاف الذي ينقلني وروحي وقلبي لعوالم النور السعيدة \ لأكون قصيدة من ضياء\ #_سيدة المعبد )
ان الاشراقية والصوفية ظاهرة ومتجلية بشكل صريح هنا، والقاموس النوراني طاغ، ورغم الحديث عن عوالم نورانية الا ان البوح والذاتية والعاطفية القوية جعلت القارئ يشعر ان الحديث عن امور واقعية وليست خيالية. وحضرت هنا عناصر اللغة المتموجة والفة اللالفة التي تحقق توصيلية المجاز وواقعية الرمز وبالتالي وقعنة الخيال.
ان التعبيرية المتموجة بين الواقعية والخيالية في بناء القصائد السرد التعبيرية - وهي الشكل النموذجي لقصيدة النثر- والفة اللالفة وتوصيلية المجازي وواقعية الرمزي وبالتالي وقعنة الخيال تحقق اللغة التي تنفذ الى الاعماق بسهولة مع المحافظة على فنيتها وانزياحاتها العالية وهو اكبر هم شغل الكتاب منذ القدم. ومن الواضح ان الفهم والتصور الاسلوبي الذي يقدمه النقد التعبيري عن العناصر التي يشير اليها كما في الخيال المجازي هنا ووقعنته و تحقيق السردية التعبيري لتجليات عالية له والتموج التعبيري، يمثل درجات عالية من الجدية و الواقعية في منهج نقدي متقدم بادواته الاسلوبية التعبيرية. كما ان وضوح عدم امكانية بلوغ مثل تلك الدرجات متابعة النص الابداعي في مناهج نقدية اخرى يدل بلا ريب على التجريبية العالية والاستقرائية البينة في النقد التعبيرية مما يمثل بابا واسعا وحقيقيا نحو بناء اسلوبي علمي للنقد الادبي والانتقال الى الاكتشاف الحر غير المقيد للقراءة. ان النقد التعبيري هو بحق يمثل انموذج (القراءة الابداعية) ويمثل حقا مرحلة (ما بعد الاسلوبية) باعتباره نقد اكتشافي ابداعي.
