أقبلت علي وقد تَلفّعت من سواد الهم بسبب، ومدت يدها تسألني.

ولم أكن أظن بها الحاجة، فلم أعطها شيئًا.

فمضت تجر ذيولها، وأنا أراقبها غير بعيد، ثم عادت بطفل في يده كسرة خبز يابس، وعليه ملامح الجهد، وأمارات الجوع، فلعمت أنها صادقة.

فأعطيتها مالًا يسرًا، ومضت تجر ذيولها، وأنا أراقبها غير بعيد،

فاشترت بما أعطيتها طعامًا.

وراحت تأكل، وتطعم طفلها.

فلو رأيتها وهي تأكل، كأنها لم تعرف قط طعامًا في حياتها...

ولعمر الله لقد رأيتها تأكل الطعام باليمنى واليسرى لا تبالي لنظر ناظر، ولا تُحس لفرط جوعها بشيء حولها، لا ترى أمامها إلا ذلك الطعام، ولا تبصر غيره.

ولعمر الله لقد صغرت الدنيا في عيني، حتى لم أعد أبالي لا بالمال ولا بالدنيا.

وأخذت أسرح، وأغرق في أخيلة وأسألة،

وأقول لنفسي: ماذا لو أني ظننت أنها كاذبة ولم أعطها شيئًا، وماذا لو أنها طافت ليلها كله تسأل الناس، فلم يعطيها أحد شيئًا ..

ثم ماذا لو أنها رجعت إلى بيتها جائعة، فنامت وبطنها يقرقر، وصغيرها يبكي، فمدت يدها إلى الله وقالت: يا رب إني قد سألت ذلك الرجل وهو قادر مستطيع فمنعني، فاللهم إنك اعطيته وحرمتني، فاحرمه كما حرمني ...


فلم أكد أفرغ من هذه الخواطر والأخيلة حتى رأيتني أهرع إليها مسرعًا وأنفض ما في جيبي من مال، وأنثره عليها، وهي تنظر إلي متعجبة تقلب المال بين يديها، كأنها تقول: لقد نجا ...


بقلم: سآمي،،