اليوم أربى سني على الثلاثين، ولاح في عارضيّ الشيب، وما ذاك من دنف في العمر وإدبار، ولكن هي تلك الأيام التي تُحيل الجديد قديمًا.

ليس المشيب إلا عارض من عوارض تلك الأيام، ونفحة من نفحاتها، وحكاية من حكاياتها.

هذه الشعرات البيضاء لسان صدق، تحكي قصة الثلاثين حولًا.

وتصف ما لاقيتٌ فيها، من أوجاع وأكدار، وعلل وأخطار، هي تاريخ كامل يُسجل فضائع حياتي، ومصائب عمري.

هذه الشعرات البيضاء، لو نطقت لقالت:

أنا أحاديث قلبك المؤلمة، وأحزان روحك المتفجَعة، أنا تفاصيل حكاياتك القديمة الحزينة التي تقبع بين جنبات ضلوعك.

أنا خبر من أخبار تلك المرأة، التي أحببتها وحالت دونك ودونها الأيام، أنا سرها المتجرّد أكمن في عارضيك.

أنا ذكراك القديمة، لأؤلئك الذين رحلوا من عالم الأحياء إلى عالم الأموات.

أنا قصة حزنك العميق على تلك الأرملة التي مات واحدها وهي تضج ببكائها، وتصوّت بأقصى ما ملكت من صوت، فلا ينفعها شيء، ولا يرد إليها بكائها ما فقدت.

أنا تلك الحكايات التي جرَعتك الألم وبقيت سرًا دفينًا تخبئه في صدرك.

أنا وصية الله إليك، ونذيره بين يديك، أرسلني لأخبرك عن تحوّل هذه الدنيا، فشعراتك السوداء تبدل أكثرها بياضًا، فأنا أخبرك أنك لن تدوم، أنك لن تبقى، أنك لن تعيش.

جئت لأقول لك:

لقد يممَت شطر نهايتك يا إنسان، وتوَجهت صوب قدرك الأخير، فكن ذاكرًا، وكن مستعدًا.

..

سامي الذبياني