عندما تُسيطر الأفكار على المرأ، فيظل رهين غلوائها، وحبيس بلوائها، ترفعه فكرة نحو السماء، وتضعه فكرة نحو الأرض، وتسيطر عليه الظنون، فيظل طول عمره حبيس ظنه وشكه ما له من الله من عاصم..

عندها تنفذ عنه أسباب الأرض وحِيلُها، وتبقى له أسباب السماء، فيتعلق منها بحبل، ويتصل منها بسبب..

ولقد عرفت مرة صديقًا نابه من عظائم مصائب الدهر وفواقره ما نابه، فكاد يفقد عقله، وكان قبلها مسرفًا على نفسه، يركب الحرام ولا يبالي، ويفعل الفواقر ولا يُحسّ.

كأنما أُغشيت روحه من الليل قطعًا مظلمًا، فهو لا يُبصر، وهو لا يرى ...

فما كان إلا أن جائته هذه المصيبة، تفتر باسمة عن ثغرها، وهي الخير في لباس البلاء، وهي العافية في لباس السقم.

فنزل به _عند ذلك_ من الهم والوسواس ما لا طاقة له به، فكاد يذهب عقله، ويطيش لبه، فاضطرته الأقدار إلى أن يعود إلى الله مرغمًا، كأنما يُقاد إلى رحمة الله وفضله بالسلاسل.

فلم أعلم عنه بعد هذه النازلة إلا الرشد في أمر دينه، والسلامة وحسن العاقبة في أمر دنياه، ولقد صدق من قال:

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى.

ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ.

ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها.

فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ. 

فكانت نجاته بهذه المصيبة..