اخر لحن في غرناطه
غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، كانت تتنفس عبق التاريخ والذكريات. في يومٍ شاحبٍ من شتاء عام 1492، اجتمع أهل غرناطة في ساحة الحمراء يودعون زمنًا لن يعود. المدينة التي كانت منارة للعلم والفن، وقفت الآن شاهدة على انطفاء عصرٍ بأكمله.
بين هؤلاء الناس كان "عمران"، عازف عود وحيد يعيش في ظل الأطلال. لم يكن عمران عاديًا، بل كان مؤرخًا من نوعٍ خاص؛ يحكي حكايات غرناطة ليس بالكلمات، بل بأوتار عوده. كان صوته صامتًا، لكنه يعبر عن أوجاع مدينته من خلال الألحان التي تعلمها من جده، أحد موسيقيي الحمراء.
وفي ليلة السقوط الكبرى، حين سُلِّمت مفاتيح غرناطة للملكين الكاثوليكيين، قرر عمران أن يعزف لحنًا أخيرًا، لحنًا يحمل وجع الماضي وأمل المستقبل. صعد إلى إحدى شرفات الحمراء التي تطل على الوادي، وبدأ يعزف.
كان اللحن مزيجًا من الحزن والاعتزاز، كأنه يرثي المدينة ويعيد إليها شموخها المفقود. تجمّع الناس حوله، رجالًا ونساءً وأطفالًا، يستمعون إلى الألحان التي تنبض بروح غرناطة. حتى جنود العدو وقفوا في صمت، مذهولين بجمال اللحن الذي اخترق جدران قلوبهم.
عندما انتهى عمران، ساد صمت ثقيل، تخللته دموع الخاشعين ودعوات المرتحلين. كانت تلك الليلة بداية النهاية، لكن لحن عمران بقي خالدًا في ذاكرة من شهدوا تلك اللحظة.
مرت الأجيال، وبقيت قصة "آخر لحن في غرناطة" تُروى، لحنٌ لم يكن مجرد وداع، بل كان وعدًا بأن ذكرى غرناطة لن تندثر أبدًا، وأن صوت عمران سيظل يصدح في أرجاء التاريخ.
