استاذ تعليم ثانوي اختصاص تاريخ وجغرافيا. مولع بالتصوير الفوتوغرافي ومهتم بالتراث
المساجد في جربة
تشتهر جربة بكثرة مساجدها حتى اصبحت تعرف بجزيرة المساجد فقد وثق الباحث رياض المرابط في كتابه "مدونة مساجد جربة" 256 مسجدا و احصى الاستاذ جلال فتح الله اكثر من ذلك حيث وضع قائمة اسمية تتكون من 327 معبدا بعضها ما زال قائما وبعضها الاخر في حالة الخراب كامل او جزئي بما فيها المزارات والزوايا والجوامع والمقامات وكلها ادت في فترة من الفترات وظيفة المصلى.
تعود كثرة المساجد إلى تنوع التركيبة الإجتماعية والمذهبية لسكان جربة حيث تتكون من مجموعات متنافسة : الاباضية بشقيها المستاوي والوهبي والمالكية الى جانب مرور الاتراك الحنفية وكان كل مذهب منها يسعى الى فرض وجوده وانتشاره عبر مجالس الدعاية والاستقطاب التي لم تكن ممكنة الا في مكان ذا قدسية فبنيت مساجد بمواصفات ومقاييس كل مذهب خدمة له وحتى المدارس التي انشات داخل هذه المساجد لم تخرج عن دائرة التنافس.
كما يرجع ارتفاع عدد المساجد الى مرور الجزيرة في مراحل مختلفة من تاريخها بظروف سياسية وامنية حساسة فرضت الالتجاء لبناء مساجد الاحياء أو مصليات داخل "المنازل" احيانا وهي مساجد خاصة بعائلات تجتمع فيها للصلاة وحتى تعليم الاطفال بعيدا عن اعين السلطة المضطهدة وقتها.
تمثل الصلاة الوظيفة الاصلية للمساجد في جربة الا انه بمرور الوقت وتشعب شؤون الحياة أصبحت تؤدي بالتوازي مع ذلك وظائف حيوية لضمان امن الجزيرة ونشر العلم وتكريس التكافل الإجتماعي وهذا ليس حال كل مساجد الجزيرة ولكن اغلبها فلغايات امنية تكون حزام من المساجد على امتداد شواطئ الجزيرة بما يضمن مسحا كاملا للمجال البحري في حيز زمني يسمح بتمرير الانذارات بالخطر عبر اشارات ضوئية او صوتية للأهالي فكانت عبارة عن مراقب ومواقع دفاعية متقدمة تدعم حزاما دفاعيا ثانيا في اتجاه القارة ثم تحولت بمرور الوقت بحكم موقعها إلى مزارات تفد اليها العائلات في الصيف لاقامة الولائم والاستجمام وارتبطت بأولياء صالحين مثل سيدي سالم وسيدي زايد وجمور.
وقد أشتركت في وظيفتها الدفاعية -الحمائية مع عديد المساجد الداخلية التي مثلت حزاما رافدا للاول سواء خلال حملات الغزو الخارجي المتقطعة او فترات التضييق على مذهب من المذاهب.
وقد كان هذا التنافس المذهبي حاسما لدعم الوظيفة العلمية للمساجد الداخلية وخاصة تلك المنتصبة في مواقع الربط بين الاخماس فقد احتضنت مدارس بشكل علني مثل جامع الباسي والكبير، و سري مثل جامع الوطى نظمت فيها دروس الشريعة وتحفيظ القرأن والمسامرات الدينية والاجتماعات التأسيسية لنظام العزابة.
على المستوى الاجتماعي مثلت المساجد عبر تاريخها مكانا محبذا لابرام العقود والالتزامات كعقود الزواج وجلسات الصلح وحل الخلافات اسهاما منها في ضمان السلم الاجتماعي.
اضافة إلى ذلك فإنها توفر إلى اليوم حاجيات الاهالي من الماء الصالح للشرب المخزنة في فساقيها المعدة لهذا الغرض.
على المستوى المعماري تنقسم مساجد جربة إلى قسمين أولهما قليل العدد بني خلال الفترة الحديثة والمعاصرة بهندسة شائعة في سائر جهات البلاد التونسية وربما العالم الاسلامي في تصميمها وتنظيم عناصرها من ماذن ومحاريب وكذلك مظاهر الزخرفة الطاغية
والثاني يضم الغالبية الاخرى و التي يرجع بناءها الى اخر الفترة الوسيطة وبداية الفترة الحديثة وهي تحفظ النمط المعماري الذي تتفرد به جربة فتصميمها يجمع بين البساطة والوظيفية وهي تخلو من مظاهر الزخرفة عدا الرسوم البسيطة حتى انها لم تعرف الكتابة الا في القرن السادس عشر بفعل التأثير العثماني.
كل عنصر في هذه المساجد القديمة يؤدي وظيفة تستجيب للتحديات الطبيعية والامنية وغيابه كذلك مدروس فالصومعة لا تمثل ذلك العنصر الذي لا يستغنى عنه فضرورة التخفي والتستر فرضت التخلي عنها في بعض المساجد كما هو الحال في المساجد تحت الارض كالوطى وولحي..
وتعوض في هذه الحال بدرجات ملاصقة للجدار الرئيسي بارتفاع معتدل معدة للاذان.
أما القباب ومنافذ التهوئة فقد صممت بشكل وتنظيم يضمن فضاء مكيفا على مدار السنة حيث تستقر الحرارة داخل المصلى في حدود درجات معتدلة وثابة لا تتأثر بتغير الفصول.
ويحتل الفناء الخارجي قرابة ثلاثة ارباع المساحة الجملية للجامع مما يسمح بتجميع مياه الامطار في بيئة جافة فالفساقي عنصر حيوي لا يخلو منها جامع وباعداد كبيرة تفتح امام العموم لتوفير المياه الصالحة للشرب لفائدة العائلات المجاورة
بالنسبة لمواد البناء فقد بنيت تلك المساجد بما يتوفر في بيئتها من رمل وطين وحجارة وجير وخشب جذوع النخيل(الصنور)
تقدم مساجد جربة مثالا ممتازا للتكيف مع الظروف الطبيعية للجزيرة، حيث توفر أسباب الراحة والرفاه بتقنيات بسيطة ومتاحة
