شكراً لقبول دعوتى....

يُقال أن هناك ما يُسمى ب "نادى الحقيقة" فى احدى أطراف المدينة، مدينة "الاختبار".

فى "نادى الحقيقة" تُمارس الحقيقة، يؤتى بالحقيقة ثم تُعرض على كل الأطراف المتصارعة، كل طرف يقف فى جهة معينة من الحقيقة و من ثم يرى جزء معين منها.

ثم ماذا؟ صديقى، ليست المعرفة بهذه السهولة. يجب أن ندخل النادى بأنفسنا حتى نعرف.

وسط اجواء عاصفة ممطرة و طرق مليئة بالوحل و العقبات المزعجة تمكنّا من الوصول إلى النادى فى أطراف المدينة، مدينة "البلاء".

تستطيع أن تسمع صدى اصوات الصياح و الجدال و الصراع من خارج النادى، كلما ولجت كلما ازداد الصياح و المبارزة الكلامية.

ندخل، ننظر فى كل اتجاه، نرى حقيقة معروضة، معلقة فى الهواء، يقف حولها بشر كثيرون، يشكلون دائرة، يمتدون إلى ما لا نهاية، منهم من يرتدى شئ بسيط يغطى به عورته، منهم من يرتدى عباءة، منهم من يرتدى زى حربى قديم، منهم من يرتدى بزة أنيقة.

لكن هل ترى ما أراه؟ هناك وجوه موجودة عند كل حقيقة، تقف بالأمام عند كل حقيقة، تصيح عند كل حقيقة.

و هناك وجوه نائمة عند كل حقيقة.

رباه، بدأ ينتابنى صداع من كل هذا الصياح.

تتردد على أذنى عبارات متكررة عند كل حقيقة تكاد تخترقها:

"ليس لديك الحق"

"حراام"

"من تظن نفسك"

"اتقى الله"

"عليك اللعنة"

"اقتلوه"

فلتهدئوا قليلاً ارجوكم، هلا أنصتم لأنفسكم و أنتم تصيحون و تتصارعون؟

حتى رأينا قوم من شدة نورهم، لا تقدر أن ترى وجوههم. و هم هادئون، هادئون حتى نسألهم، هادئون حتى يسألهم أى شخص داخل "نادى الحقيقة".

قالوا لنا أنهم يوماً من الأيام كانوا وسط هؤلاء المتجادلين، كانوا مُوكلين بأن يأخذوا بأيديهم و يطوفوا بهم حول الحقيقة حتى يرى هؤلاء المتصارعين الحقيقة من جميع النواحى. لكن ما هى إلا قلة قليلة رضت بالطواف و البقية ظلت على ما وجدت عليه آبائها.

عليكم الصلاة و السلام جميعاً، يجب أن ننصرف حتى نكمل رحلتنا داخل النادى.

حان الوقت الآن، يجب أن نتدخل حتى نُخفف من سخونة هذا الصراع المتعدد الجهات.

لحظات و كنا اول المتصارعين، صحنا و جادلنا حتى نسينا، نسينا لماذا وُجدنا و نسينا لماذا دخلنا.

لا أعلم كم سنة مرت علينا و نحن نجادل و نتصارع، حتى أتت لحظة رأينا فيها نوراً كالذى رأيناه على وجوه اولئك القوم الذين قابلناهم آنفاً، تتبعنا ذاك النور حتى انتشلنا من داخل حلبة الصراع، صراع الحقيقة.

هنا أدركنا أن الصراع أخذنا حتى غابت عنا الحقيقة، هنا ادركنا أن الصراع لن ينتهى ابدا، هنا أدركنا أن لولا النور ما كان هناك صراع.

لكن الآن، الآن قد نال منى التعب، لقد ارهقنى ذلك الصراع الذى صرت بداخله سنين.

اخرجونى من هذا النادى، اخرجونى حتى استعيد عقلى، عقلى الذى لا يتسع إلا لحقيقة واحدة: لم و لن توجد حقيقة كاملة فى دنيانا هذه، الحقيقة الكاملة عنده وحده، ملك النور.

سألقى نظرة أخيرة على هذا النادى، حتى احصل على أهم المعانى.

الحقيقة بدورها تتطلب الصراع للحصول عليها. و بما أن الحقيقة موجودة دائماً سيظل الصراع موجود. لكن لا سبيل لك بمعرفة الحقيقة و أنت تصارع، فلتبحث عن النور فى كل مكان حتى يصل بك إلى الحقيقة.

النور هو الخلاص.