إذا أردت لمهمة ما أن تُنجز فأوكل بها شخصا مشغولا ...

حقيقة مجربة ..

لماذا ؟!

وكيف للمشغول أن يُنجز المهام؟!

الجواب باختصار ..

أنه مشغول ...!!!

ولأنه مشغول فسوف يُنجز كل مايُوكل إليه مباشرة، سعيا للتفرغ لعمله..

ولكن من يفعل ذلك حقيقة؟ من يفعل ذلك عادة؟ 

إنه المبادر ...والمبادر فقط ..

إنه ينجز كل مايُوكل إليه سريع، لا لأنه متفرغ، بل لأنه مشغول، ومشغول جدا لدرجة تمنعه من الاعتراض أو الرفض، فهو ينجز سريعا ليتفرغ لمهامه المتلاحقة ..

ولكن المشكلة هنا ..

ماالنهاية التي قد يصل إليها المبادر نتيجة هذا الضغط المتلاحق من التكليفات؟

إن المبادر عندما يسعى دائما لإنجاز كل مايُطلب منه فإنه يقع في حيز يُسمى في  (مصفوفة إدارة الوقت)

بمربع الخداع.

حيث تُقسِّم تلك المصفوفة الوقت في أربع مربعات حسب كون الأمور الواقعة فيه عاجلة وهامة على النحو التالي: 

فالمربع الأول يُسمى:

 (مربع الطوارىء) 

وتقع فيه الأمور العاجلة الهامة.

والمربع الثاني يُسمى:

 (مربع الفعالية) 

وتقع فيه الأمور الهامة غير العاجلة.

والمربع الثالث يُسمى:

 (مربع الخداع) 

وتقع فيه الأمور العاجلة غير الهامة.

والمربع الرابع يُسمى:

 (مربع الضياع) 

وتقع فيه الأمور غير الهامة غير العاجلة.

وذلك وفق ماورد في كتاب (العادات السبع للناس الأكثر فعالية) و كتاب (إدارة الأولويات) لستيفن كوفي.

فالمبادر إذا يقع في مربع الخداع ..

حيث يبادر عادة لإنجاز المهام العاجلة غير الهامة التي لها أهمية  تتعلق بالآخرين.

وعليه فالمبادر غالبا مصاب بداء خطير ومعدٍ أيضا يُسمى داء إرضاء الآخرين ..

 والاستشفاء منه يحتاج جرعة مكثفة من التأمل  والاستبصار والوعي ..

وهذا المرض يجعل المبادر عالة على نفسه، ويوهمه بالإنجاز، ولكنه بكل عنف يمتص طاقته كما يمتص مصاص الدماء طاقة ضحيته. 

المبادر يحبه الجميع لا لكونه مبادرا، وإنما لكونه يحقق مصالحهم، فهو في الحقيقة غير محبوب لذاته.

فلا أحد غالبا يحب أن يكون مثله، بل قد يرونه أحمقا.

ولن يمنحه أحد العذر إن قصّر يوما، أو قرر التوقف عن المساعدة لعذر مقبول أو غير مقبول، وكل أعذاره عند الآخرين غير مقبولة.

ماذا لو قرر أن يغير طريقته في المبادرة؟ 

ماذا لو قرر المساعدة بطريقته الخاصة ووفقا لقاعدة: 

 (علمه الصيد خيرا من أن تطعمه سمكة كل يوم) 

حينها يكون قد عوّد الناس حوله على الخدمات المجانية والتي لاتحمِّلهم أي مسؤولية، ولاتكلفهم أي عناء سوى التقدم بطلب عاجل وهام وسري لأقرب مبادر يعرفونه !!!

عودا على بدء أعترف أن قضية هذا المقال خاسرة، إذ لم يقدم السؤال الصحيح.

فليس الصواب أن تسأل لماذا نجلد المبادرين؟ 

فنحن لانشعر بذلك عادة 

ولكن السؤال لماذا نبادر؟ وكيف ومتى نبادر؟

وللإجابة على هذه الأسئلة علينا أن نقرر أولا  أن المبادر لم يُخلق لتغذية أصحاب الطموحات الطفيلية.... 

وأن المبادرة غير الواعية ماهي إلا استنزاف للطاقات الفاعلة، و أن المبادر غير الواعي ليس إلا طاقة مهدرة ومسروقة و مستنزفة من هؤلاء المتحلقين  حول المبادر، المتسلقين ظهره، المتملقين لمصالحهم الشخصية، التي تعطل المبادر عن مسيرته المشعة بالضياء لكل من حوله.

مسيرته التي يقدم فيها خدمته الإنسانية للبشرية ويسطرها بأحرف من نور على أزهى صفحات التاريخ.

فأقل ما يقدمه المبادر للكون هو شخصه الصالح للعيش  وترك بصمته المتميزة فيه. 

  وكعادة المصلحين الذين يحمِّلون الضحية دائما المسؤولية عن انتهاك حقوقها، فالحال لم تصل بها إلى ماهي عليه إلا نتيجة الخنوع والرضى بالانتهاك، فلا أحد يمكنه الصعود على ظهرك مالم تكن منحنيا أيها المبادر... 

المبادرة الحقيقية ليست في إهدار وقتك وجهدك لإرضاء أحد لايقع على سلم أولوياتك ..

المبادرة الحقة هي فعاليتك التي تقع بين المثير و الاستجابة ..

المبادرة الحقة هي الاستجابة ذات النوعية الفارقة، التي تعيد بها ترتيب أولوياتك. 

المبادرة الفاعلة هي ردة الفعل التي تصنع الفرق في المسافة الموصلة لأهدافك، وتجعل رؤيتك أكثر وضوحا لرؤاك ..

أيها المبادر ..

قل (لا) بملء فيك، إذا كان مايُراد منك معطِّلا لك عن مسيرتك لتحقيق رسالتك الإنسانية المتفردة... 

قل (لا) فلقد

خلقت لأمر لو بَصُرتَ به 

 فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهََمَلِ 

قل (لا) ثم واصل مسيرتك دون أدنى التفاته للوراء ..

قلها فالتاريخ لايحتفظ بين صفحاته إلا بأسماء الواثقين   واثق الخطوة يمشي ملكا 

ظالمُ الحُسنِ شهي الكبرياء

عَبِقُ السحر كأنفاس الرُّبى

ساهمُ الطرفِ كأحلام المساء

مُشرِقُ الطلعةِ في مَنْطِقِهِ

  لغة النورِ وتعبيرُ السماءِ 

🖋حنان اللحيدان