كانت هجرة الفاروق عمر إلى المدينة هجرة جهرية معلنة لجميع القريشيين ، فقد خرج عليهم قائلا قوله الشهير "من أراد أن تفقده أمه وترمل زوجته ، وييتّم أولاده فليتبعني وراء هذا الوادي " فلم يتبعه أحد وبهتوا جميعا و تابع مضيه للمدينة ، أنها قوة الإيمان تهزم كل قوة أخرى مهما ما كانت عليه !
لما حان موعد "الزينة" كان قد حضر ما يفوق الاثني عشر ألف ساحرا كما ذكر ابن كثير رحمه الله ، كان قد إختارهم فرعون فكانوا هؤلاء أسحر السحرة ليحاجوا موسى وهارون عليهما السلام بسحرهم ، تخيلوا إثني عشر ألف أو يزيد لمحاججة موسى ومعه هارون عليهما السلام  !
فألقوا ما في أيديهم من حبال و عصي فإذ تتحول إلى حيات ، حتى ألقى موسى عصاه فصارت حية فأكلت كل ما ألقوه سحرة فرعون ، فبهت السحرة وخروا ساجدين ! فهناك من قالوا آمنا برب موسى وهارون وهناك من قال منهم آمنا برب هارون وموسى وآخرون قالوا برب العالمين فكانت أقوالهم متباينة لعظمة المشهد !
يقول الشعراوي رضي الله عنه : لم يقُل الحق سبحانه فسجد السحرة، إنما { فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } [الشعراء: 46] والإلقاء يدل على سرعة الاستجابة، وأن السجود تَمَّ منهم دون تفكير؛ لأنه أمر فوق إرادتهم، وكأن جلال الموقف وهيبته وروعة ما رَأوْا ألقاهم على الأرض ساجدين لله.
ويقول الزجاج في السحرة : "عجيب أمر هؤلاء، فقد ألقوا حبالهم وعِصيّهم للكفر والجحود، فإذا بهم يُلْقُون أنفسهم للشكر والسجود !" كان السحرة يتوقعون أن ما سيروه من موسى عليه السلام سحر أيضا لكن ما شاهدوه فاق السحر و أنه الحق ، فسجدوا غير مبالين بفرعون و ما سيفعله بهم لعصيانهم له ...

{ قَالُوا آمَنَّا برَبّ هَارُون وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْل أَنْ آذَن لَكُمْ إنَّهُ لَكَبيركُمْ الَّذي عَلَّمَكُمْ السّحْر فَلَأُقَطّعَن أَيْديكُمْ وَأَرْجُلكُمْ منْ خلَاف } ، وكان فرعون أول من يقطع من خلاف ، لكن السحرة رغم كل هذا التهديد والتخويف ثبتوا في طريقهم ، يقول  الشعراوي رضي الله عنه في تفسير شجاعة السحرة و إنتقالهم من ظلمات الباطل إلى أنوار الحق : "وهذا يدلُّنا على أن الفطرة الإيمانية في النفس قد تطمسها الأهواء، فإذا ما تيقظتْ الفطرة الإيمانية وأُزيلَتْ عنها الغشاوة سارعتْ إلى الإيمان وتأثرتْ به."ف

اللهم ثباتا كثبات السحرة ، و عين ترى الحق كعين السحرة ، وقلبا يصبر على صعاب الأمور و عذاب الحياة وحكامها كقلب السحرة ! 

إن الذي سحرني حقا هو ليس تلك اللحظة التي رمى فيها السحرة حبالهم لتصبح حيات ، بل ما سحرني وسحر قلبي هو سجودهم وهم مدركين طغيان فرعون وما سيفعله بهم ، إن ما سحرني بحق هو رؤيتهم للحق ، إن ما سحرني بحق هو ثباتهم رغم كل تهديدات فرعون .