بقلمى--الذكريات

اعتدت ان اسرق بعض الوقت من يومي وخاصة بعد انتهاء يوم عمل شاق كي استلقى على سريري في هدوء تام مع اضاءة مصباح خافت بالكاد يعطيك ضوءا او الاعتماد على شعاع نور قد تسلل من أسفل باب الغرفة وان أحاول جاهدا ان أصب تركيزي على النظر الى جمال سقف غرفتي وان امنع عقلي عن التفكير ولا تحسبن ان هذا بالأمر الهين ولو كنت تعتقده كذلك فجربه استلقى في هدوء، اسكت عقلك وأرغمه على عدم التفكير نهائيا. أعدك أنك ستحتاج بعض الوقت كي تجيد هذا الأمر. وبعد ان تجيد هذا الامر ستجد انه يريح عقلك من عناء ما اعتاد ان يفعله بشكل مستمر بداع وبدون داع وهذا الفعل مثله مثل رياضة اليوجا التي تعتمد أيضا على التركيز والاسترخاء وان ترى أحد لا عبى هذه الرياضة أخذا وضع الجلوس ورجلا فوق الأخرى لا يهمز ولا يلمز ولا يحرك جفنا مع موسيقى هادئة في خلفية المشهد وكل ما يفعله هو التركيز ولكنني بعد يوم عمل شاق غالبا لا يكون لدى طاقة لأن أجلس او حتى أعطس, فقط تستلقى وتتأمل أي انى امارس رياضة اليوجا ولكنها على طريقتي الخاصة واسمى هذه الفترة القصيرة من الزمن "الولا حاجة ".

ولكن في بعض هذه الأوقات يخونني عقلي ويبدئ في فعل ما يجيده وهو ان يقلب ويسترجع الذكريات فيذكرني بموقف مع أبى رحمه الله عليه وقد يكون موقف مضحكا او أخر مؤلما او يأتيني بموقف طريف مع ابنتي الصغيرة قبل ان تكبر وتبدء تلقائيتها وبراءتها في الذوبان حنين الى ذكريات الوطن وحنين الى ذكريات الطفولة التي دائما ما تبقى خالدة في عقلك ودائما تتمنى ان تعود ولكن ما فات قد فات وهي في النهاية مجرد ذكريات.

وبالرجوع والتفكير والتدقيق في معنى الذكريات وجدت انها ليست مجرد قصص قد تأتى على عقلك لتضحك او تحزن فحسب ولكنها أكبر من ذلك بكثير فوجدت ان الذكريات هي ما تكون شخصيتك هي ما تكون عقلك وطريقة تفكيرك هي خبراتك التي على أساسها تتعامل مع المواقف مع البشر ومع أمور الحياة كافة. هي تلك المواقف الصعبة والاختبارات والمحن التي مررت بها فجعلت منك رجلا صلدا يتعامل بحكمة ولا يخشى المواقف الهينة، وجدت ان الانسان بدون ذكريات لا قيمة له ولا معنى حرفيا صفر القيمة.

فتخيل معي مدى بؤس وتعاسة شخص تعرض لحادث أدى الى عدم قدرة عقله على تكوين ذكريات جديدة أي ما يفعله اليوم ينساه غدا فاذا فقد شخص عزيز عليه فأنه سيحزن عليه اليوم ثم يأتي غدا ليسأل عنه فيخبره أحدهم انه قد مات فيحزن عليه مجددا وهكذا مع باقي أمور حياته وبالمناسبة هذا مرض يسمى "فقدان الذاكرة التقدمي" عافانا الله واياكم.

فاعلم ان كل ماضيك بأفراحه واطراحه هو ذكريات اليوم وان ألام اليوم التي تتمنى ان تزول هي ذكريات الغد فاحرص قدر المستطاع ان تتعلم من ذكرياتك وان تأخذ منها عبرة وعظة وان تقويك ولا تضعفك وان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

واحرص ان تكون ذكرياتك خالية من أي اذى او ظلم او إساءة لأحد وان تكون فخور بها عندما تسردها بالمستقبل وأخيرا استمتع بما لديك واحمد الله عليه.

أخوكم/ أحمد السعيد