Image title
مرض غامض يجتاح أمي

مرض غامض يجتاح أمي

لم يكن من السهل فراق أمي المريضة والتي تعالج في أفضل مستشفيات الرياض بالمملكة العربية السعودية، وكان لابد من العودة براً من انطاليا الى اسطنبول، رحلة امتدت لأكثر من ستة ساعات ونصف، ولازلت أذكر كلمات أمي في إتصالنا الأخير، فقد قالت لي "كم ستكون الحياة جميلة لو قدر لنا فقط أن يلتم شملنا وننعم باللقاء مرة أخرى."، أمي شخصية مجردة تماما من الأنانية، تحب جمال الحياة في مظاهرها البسيطة، الزهور، الألوان، الطبيعة، الألوان، ويتسم سلوكها بتلك الحكمة التي يبدو أن الجيل السابق قد اختص بها، لقد كانت تتميز بنشاط متأجج وحسن مرهف، ورقة في التعامل، وشهد لها بذلك كل من عرفها في مسيرتها التربوية في مدارس متعددة، في هذا الاتصال شعرت بها حزينة، فلقد علمت كم اعتراها الحزن الشديد، وغاصت في الآلام بعد المرض الذي أصاب حنجرتها، وتحملت مرضها بالرغم من جسدها الضعيف، ذكريات مليئة بالتعب والارهاق وهي تتنقل بين المستشفيات، تبحث عمن يداويها من مرضها الذي وصف بأنه غامض، فدخلت أفضل المستشفيات في الرياض، وفي مستشقى الدلة، وهو من أشهر المشافي في الرياض خاصة والسعودية عامة، قالت لها طبيبتها: منذ إنشاء المستشفى عام 1987 نستقبل الحالات الخطرة والطارئة، وتم تشخيص الالاف من المرضى، ونجحنا في إنهاء معاناة المرضى، وحصلنا على شهادات تقدير من أرقى المؤسسات ومن ذوي المرضى، وشهدوا جميعا بالخدمات الطبية الحديثة والمتطورة ذات الجودة المتميزة والتي تميزنا، في الحقيقة قررنا في لجنة الأمراض المستعصية والغامضة أن يتم نقلك الى مستشفى المركز التخصصي الطبي، هنا في الرياض، وأرسلنا لهم عبر البريد الالكتروني كل تفاصيل حالتك، وكما أرسلنا نسخة الى مستشفى الدكتور سليمان الحبيب، وهو يتمتع بفريق من الخبراء ذو الثقافة المختلفة والخبرة العالية، وكما أشارت علينا اللجنة أن نرسل ملفك الطبي الى المستشفى الحمادي وهو واحد من الصرح الطبية العملاقة في الرياض، ولن نبخل عليك، في أن يكون ملفك في جميع المستشفيات الحكومية سواء مستشفى الملك فيصل التخصصي أو الى مدير الأمير سلكان الطبية العسكرية والذي يعتبر المستشفى الثاني عربيا، وتلقينا قبولا لعرضك على لجنة مختصة، من مستشفى الملك فهد أكبر المجمعات الطبية والأسرع تطورا، ومن أفضل المستشفيات في الرياض، وأخيرا سيتم إخضاع ملفك لتقييم أول مستشفى تعليمي بالمملكة العربية السعودية، وهو مستشفى الملك عبد العزيز الجامعي.، وبعد أكثر من أسبوعين، تمكن الفريق الطبي من معرفة ما أصاب أمي، وفي تلك الأيام عملت كل ما يمكن للالتحاق بها، وعندما دخلت عليها، قابلتني بابتسامة مشرقة، أحسست من خلالها عن ترحيبها وإرتياحها، بعد أن أطمأنت عليَّ ووجدتني جنبها، وكانت قد خرجت من العناية المركزة، بعد أن خضعت لعملية جراحيه معقدة وطويلة، وبدا عليها من التحسن ما خفف عني بعض ما أعينه من قلق.

لقد انتقلت للإقامة في تركيا بعد زواجي، كان فراقي لأمي صعباً، وخفف عني وجود والدي معها، فلقد كان محبوبا من كل من عرفه، يتمتع بروح الدعابة وحضور البديهة، وكان يقول لي "زوجك يشبهني"، والحقيقة أن زوجي وبعد تدهور صحة والدتي، طلب مني النزول الى الرياض للبقاء بجانبها، أما هو فسوف يبقى بين انطاليا واسطنبول، يتابع أمور شركته السياحية الخاصة، حتى يستقر ويلتحق بي، لقد عشنا سنوات طويلة في مدينة اسطنبول أبرز المدن السياحية في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه، واختارها مقراً لشركته التي اختار لها إسما مميزا "بين انطاليا واسطنبول، نحن معكم"، وكان البعض يقول له هل هذا اسماً أم شعاراً، وكنا نضحك ونقول إننا جمعنا بين الاثنين ووفرنا في المصاريف، فمن يراه عنوانا فهو عنوان، ومن يراه شعارا فهو شعار، وأذكر أن أول إعلان ترويج سياحي قمنا بطباعته وتوزيعه كان يتحدث في واجهته الأولى عن معالم الجذب السياحي في اسطنبول " اقصى الشمال التركي" منها: مسجد آيا صوفيا، والمسجد الأزرق، وقصر دولماباهس، وقصر توبكابي، والقرن الذهبي، وميدان سباق الخيل هيبودروم الذي بناه الرومان في عام 200 ميلادي تقريباً، وبئر بازيليكا سيستيرن الذي بناه جستنيان في عام 532 ميلادي، والذي يُعدّ أكبر الآبار البيزنطية التي لا تزال موجودةً في اسطنبول. وأما في الواجهة الثانية من إعلان الترويج فكانت تتحدث عن السياحة في أنطاليا " اقصى الجنوب ، ومعالم الجذب السياحي فيها مثل: ساحل تركواز التركي، والمدينة القديمة كاليسي، والميناء القديم، ومئذنة ييفلي مينير المميزة التي بناها السلطان السلجوقي علاء الدين كيكوباد، والتي تُعدّ مثالاً نموذجياً على العمارة السلجوقية في تركيا.

 زوجي يحب الفن، وربما هذا هو أهم شيء جذب والدي له، ويحب الرحلات والترفيه، وجاد في عمله، وعندما غادرنا بالسيارة، انطاليا البعيدة عن اسطنبول أكثر من 700 كيلو متر، استمعنا بكل المعالم السياحية، واستمعت بكل لحظة عشناها، كانت اسطنبول من أحب الأماكن إليه، لذلك قرر أن ينقل عمله لها، لقد منحني أحلى الأيام المزينة بالحب والبهجة والهناء، ولذل فإنني أنتظر قدومه للرياض ليكون بجانبنا ولتقديم كل الشكر في كل مستشفيات الرياض التي لم تبخل عن تقديم كل ما لديها من علم وخبرة لمعالجة أمي وعودتها لنا سالمة تنعم بالصحة والعافية.