هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بأني أتنفس، وبأني على قيد الحياة!

وبأني أرى الأشياء على حقيقتها، كما هي، من غير تزويق في صورتها، أو تبديل في حقيقتها.

نعم، بدأت أرى فيها الحقيقة كما هي، مجرَّدة، ناصعة، غير خاضعة للعواطف، وغير مشوبة بمؤثرات الحياة.

الحقيقة ولا غير الحقيقة، ها أنا أراها ماثلة أمام عيني، تلوح ناصعة بيضاء تخفق، في زمان ماج فيه الناس بأهوائهم، وعجّوا فيه بلهوهم وعبثهم، وشغلوا بالخسيس الأدنى دون العظيم الأسمى..

ها أنا ذا، أقف متجردًا، وتقف روحي ونفسي، صافية لا تشوبها شائبة، ولا تعتريها نقيصة من نقائص حياتنا الحاضرة..

***

وها أنا ذا أرى الناس أمام ناظريَّ وأنا مستندٌ إلى أحد سواري المسجد الحرام، يشتبك بعضهم في بعض، وينتظم بعضهم في بعض، كخرزات نظمت نظمًا دقيقًا، فهي لا تختلط ببعضها إلا في صفاء، وفي حسن مجاورة.

وأسمع أصواتهم، ترتفع من بعيد، وتُحدث جلبة في المكان، ودويٌّ لا يُشبه أيَّ دويَّ!

أسمع فيه أصوات العارفين، وأنين المحزونين، أسمع فيها رجلًا يشكو ويخاصم الله فيمن ظلمه وبغى عليه، وأسمع فيها رجلًا آخر يشجو بأحزن صوت، وبأطرب نغمة، يرتل المصحف ترتيلًا محبرًا.

إنه دويُّ يتسرب إلى أغوار الروح، وينمهر إلى دقائق النفس، فيغذوها بالطمأنينة والخشوع.

روحي تعود إليَّ، نفسي تطمئن..

**

هنا المكان، هنا الزمان، هنا مجتمع الخلق في صعيد واحد، هنا تبلبل الألسنة، وهنا الاختلاف المتناسق، والاضطراب المتوَّج بالسكون..

هنا حيث كل شيء متباين، ومختلف، إلا أنه متقارب ومؤتلف!

هنا التضاد المتماثل، وهنا حيثٌ تقف الحقائق متجرّدة لا تشوبها أي شائبة، والنفوس بيضاء نقية لا تعتريها أي نقيصة..

هنا الجسد الواحد، تراه أطرافًا متعددة مختلفة متباينة، إلا أنه جسد كامل يعجُّ بدقائق الحياة، وبأسرار الوجود!.

هنا حيث أشاهد وأكتب، ونفسي وقلمي كيان واحد لا ينفك أحدهما عن الآخر... فنفسي هي قلمي، وقلمي هو نفسي..

هنا،،،، حيث أقف متجردًا من كل شيء، فلا أكون إلا نفسي، ونفسي فقط!!

هنا [تجرَّد نفس]، هنا [الحقيقة الكاملة]..

بقلمي,,

تابعوني smy5578