قطار سريع يمر ، تتوالي عرباته لا يعلم عنها أحد ، ولا يعلم بساكنيها بشر ، ولا ينظر إليهم أحد.

هنا في محطة قطار الصعيد العائد إلي القاهرة الكبري ينتظر شاب معتدل القامة ، رياضي البنية إلي حد كثير ، ضعيف البصر يرتدي نظارته ، يحمل حقيبة سوداء ، يرتدي بدلة كلاسيكية ، يحسبه المارة طبيبا إذا وقعت أعينهم عليهم ، ولكنه في حقيقة الأمر شاب في منتصف مراهقته بل في عرباتها الأخيرة، يملك من العمر اثنين وعشرين عاما ، يدرس بكلية العلوم، كان في زيارة إلي صعيد مصر ، لجأ إليه في ظروف غامضة أم صعبة فكلاهما إن شئت.

لهذا الشاب حكاية أخري غير نظرات المارة التي تقدره أحيانا ، وتزدريه أحيانا أخري حين يظنون فيه التعالي والتكبر ، هنا يملك حكاية زمنية طال بها العهد ، حكاية بل رواية عسيرة الذكر.

ينظر الشاب في ساعته فيجدها العاشرة صباحا ، وما إن يرفع عينيه حتي يجد قطاره قد تأهب للرحيل ، ورغم هيبته التي يراها البشر من حوله إلا أنه كغيره من المصريين يتدافع ويرتطم بالآخرين حتي ولج من مقاعد القطار مقعدا له ، وخلال دقائق معدودة تتحرك عربات القطار مودعة الركاب المتقاذفين من الداخل والخارج ، ويهب علي صاحبنا خبيث النفس ومحدثها المرهق وقرينها الأزلي ، وينال التفكير من رأس الشاب نيلا بلغ به حد الشيب ، فيم كان يذّكره ؟ ، وفيم كان يحدثه ؟ ، وبم أخبره وأمره؟

لم يكن الأمر هينا إلي تلك الدرجة كي يتفوه به الشاب، وبعد حوالي عشر دقائق يصطدم القطار بأجل أصحابه الذين ظنوا عودتهم إلي منازلهم أو دراستهم ، الذين كانوا يفكرون في غد أفضل ، الذين جعلت منهم الحياة عبرا ولم يستحقوا ذلك الذل والهوان منها.

هنا وعلي هذه القضبان التي تُطلي من حين لآخر بالدماء لحمايتها من الصدأ كانت نهاية صريحة وإجبارية لذلك المرض الخبيث الذي أصابه ، هنا كانت بداية التحرر من القيود ، هنا كان تحرير الألسنة ، وإطلاق الأحاديث والكلمات ، هنا تدوي صافرات الاستهجان وتتعالي صيحات الركاب وصراخ المارة ، لكن لا مجيب.

تمر نصف الساعة حتي تصل أولي عربات الإسعاف، تصل كي تحفظ فئران التجارب الباقية علي قيد الحياة حيث لم تكتمل التجربة بعد.

هنا يأتي رجال الإسعاف ويُحمل جثمان الشاب إلي العربة وهنا يتدخل الطبيب الموجود بها ويلفظه من العربة كما يبثق من فمه ، فعربات الإسعاف لا تحمل الموتي يا صديقي.

فالموتي لن يتمكنوا من سداد أموال بعد ، ويُنقل الجثمان إلي القاهرة ، ويبحث حينها رجال الإسعاف عن أية معلومة تصل بهم إلي أهل هذا الشاب ، فلا يجدون في حقيبته شيئا سوي بعضا من الرسائل التي لم ترسل ولم يدون عليها عنوانا سوي "فاطمة الزهراء".

أية زهراء تلك التي نالت منك يا صديقي ؟ ، وأية زهراء تلك التي لم تستكمل حربك من أجلها؟

وهنا ينتبه أحد الرجال إلي سوار حول معصمه مدون به رقم هاتف وبجواره عبارة "زهراء القلب لم تنبت بعد".

وعلي وجه السرعة يتحدث الرجل إلي تلك الزهراء مخبرا إياها وفاة شخص هم لا يعرفون شخصه ولكن هي لم تكن تجهل صفاته ، ولم تكن تجهل تلك الشامة التي تميز ملامح وجهه.

هنا تقول فاطمة:

" لم أكن في كامل الوعي حينما علمت بتلك المواصفات التي لم تدع احتمالا لأحد غيره ، وعلي وجه السرعة أبدلت ثيابي وهرولت إلي المستشفي لأجده جثمانا علي فراش يمتلئ بالدماء الذكية ، وجدت نفسي أحدثه وأناديه ولكنه لا يُجيب فاستدعي صراخي أحد الأطباء الذي جاء يخفف من روعي.

وبلا أي سابق إنذار وجدت نفسي انتابها الهدوء وبلغتها السكينة ، واستعرت من الطبيب هاتفه ، فتحدثت إلي شقيقه وأخبرته بوفاة أخيه الشاب آدم ، وأخبرته عنوان المستشفي وأن ذلك العمل من فاعل خير وأغلقت الهاتف وألقيت عليه نظرة أخيرة وتركته.

نظرت إلي يده فوجدت بها ساعة لم يتوقف نبضها الذي اقترب من التاسعة مساء ، وعدت لمنزلي المجاور للمستشفي ، فوجدت ساعيا للبريد يقف علي بابي طارقا إياه ، وحينما أخبرته بهويتي فهاجمني بعبرات حادة قائلا:

" والله ليقتصن الله منك يا فتاة ، فلقد تسبب خروجك في تأخير موعد تسليم ذلك الطرد اللعين"

فسألته : أي طرد هذا ؟ ، ومن أرسله ؟ ، ومن أين ؟

فأخبرني قائلا :

شاب وسيم ، اسمه آدم ، من صعيد البلاد وأصر علي تسليم هذا الطرد اليوم في تمام التاسعة ، وكان قد وعدني "بقشيشا" إذا سلمته في تمام التاسعة ، وهنا انتابني ذهول رهيب ، فدسست يدي إلي حقيبتي وأخرجت منها ورقة فئة المائة جنيه ومنحته إياها واستلمت الطرد المبارك من يديه، وأقبلت إلي الداخل وولجت إلي فراشي بعدما أبدلت ثيابي ، وشرعت في فض ذلك الحرز الجنائي فهو لم يعد طردا عاديا الآن.

فوجئت حينها بأنه كتاب يحمل يومياته بعنوان:

" زهراء لم تنبت في بستاني بعد "

فبدأت في قراءة محتوياته التي وجدتها مختصرة إلي حد كبير ، يبدو أنه كان يعلم أني لا أملك شغفا للقراءة والتفاصيل الخاوية

فأخدت أقرأ علي لسان آدم قائلا:

" ترددت كثيرا قبل حديثي ، لكني لا أكتب ذلك الحديث لأتركه للذكري ، أو أدعه محض صدفة قد تجلبه بين يديك ، لكنني خططته ليكون نبراسا لقلبي بين يديك ، قد يكون الوقت متأخرا ، قد يكون مستقطعا ، لكنه حتما الآن منتهيا ، لن أطيل في حديثي فطالما طال الحديث بيننا ، عهدتك منذ الوهلة الأولي حين أقبلت علي حياتي مشرقة باسمة متفائلة ببعض كلماتي المنشورة ، حدثتك عن إعجابي بهذه وشغفي وحبي لتلك ، عاملتك بكل قسوة ، كما لو أنك كرسيا أو حائطا بلا شعور ، كنت كلما أخبرتك بشيء من هذا القبيل ينقبض داخلي ويحدثني عن كونك فتاة تمتلك مشاعرا فياضة بالتأكيد ، وجدتك رفيقتي لشهور ، أصبحت خلالها مرشدا لي ، راعيا لقراراتي ، وفي بعض الأحيان منبها لإيقاظي ، لم نتلاقي قبلها أو ربما تلاقينا كما المارة والعامة ، لكني قد عرفتك من بين عينيك ودون ترقب ومنذ تلك اللحظة وأنا أخفيت معرفتي بك ، لم أكن أود أن أجعل منك رواية علي ألسنة الآخرين كما السابقين ، لم أكن أود أن أجعلك شعور الحياء والهروب ينتابك حين نتقابل بمحض الصدفة ، كنت أعلم أنك تعرفين شخصي ولم أود أن أخبرك أني كذلك ، ربما أخطأت ، لكني لا أتذكر سوي أسبابي النبيلة للحفاظ عليك ، أتذكر بكائي حين أتحدث إليك ، أتذكر أن شخصك هو الوحيد الذي يمتلك روايتي كاملة ، يعرفها كاملة.

ليت السقوط لم يصيبني حين تمسكت بك ، ليته لم يجعلني متعصبا قاسيا ، مفضلا فراقك كي لا تعتريك قسوة مني ، فاضلت في فراق يحفظ كرامتك وشعورك الذي لم أرعي له من قبل وبين أن أتمسك وأنال من كرامتك.

كنت ساقطا ، فاشيا وفاشلا ، لكني عاقبت ذاتي علي قسوتي إليك ، حتي حين أتذكر السابقين كنت أذهب إلي حديثك الذي يدعوني "صبرا يا صديق ستحلو وتغنم ونغنم جميعا إذا ما الصبر استكان في قلوبنا"

معذرة فقد أصابني الهلع حين وجدتك تقيمين في كلية العلوم إلي جواري ، حقا حزنت لأجلك أكثر من حزني لذاتي ، لكني وطأتها بإرادتي ، حزنت حتي لأنني حينما امتلكت شجاعة استكمال المحادثة التي توقفت بيننا وجدت الحساب محذوفا حينها.

حزنت لأنني أراك كل يوم بجانبي ، تتهادي وتحلق أمامي ، ويعتريك الحياء من أن تطول نظراتك إليّ رغم أني أخبرتك حين الفراق أنني لم أراك.

حزين لأنني أستقل المواصلات وأنت بجواري وخلفي وأمامي ولا منادي

حزنت لأنني سأرحل ولم أستطع أن أقود خطابي ومذكراتي بيدي

حزنت لأنني أخفيت شيئا ما كان يجب إخفائه أو فارقته ولم يكن ذلك سهلا

حزين ، وليت الحزن يشفع لي زلتي ، وليت الشوق يغفر لي ولعي ومحبتي ، وليت الفراق يآنس وحدتي ....."

إلي هنا انتهي خطابه ولم تنته دموعي ، هنا نال مني الغضب والحزن سويا ، هنا تمنيت مرافقته في مثواه الأخير ، هنا ولا بد أن للحديث بقية ..........

تمت رواية الشاب وما كان منها مشابها لأرض الواقع فهو من محض تعنت المدون ، وإصراره علي ذلك ، إصراره علي مزج الواقع بشيء من الخيال ، وطلاء الخيال بشيء من الواقع