إلي ذلك الدَّاعية الذي ترصدت الدنيا بزينتها وعرف القعود منعماً

فاختار التجارة مع الله "إن أجري إلا على الله" 

إذا ما أشرقت شمس النهار مشى بينهم داعياً وإذا جن الليل استحث يداه لهم داعيًا

إذا ما رأى الناس على منكر يودي بهم للتهلكة خاف ووجل واضطرب ولم يمكث على مقعده لحظة واحدة، ينفق ماله ويبذل جهده ويبيع نفسه ويساومهم بالابتعاد عن هذا الجرف الهارِ يقرأ قول الله 

{إني أراكم بخير.. وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط﴾

يلتفت إلى العالم.. ثم يقرأها ثانية ثم يلتفت إلى العالم.. وقلبه يخفق بشدة.!!

حزينٌ عليهم، آسفاً على حالهم، لا يعيارهم بجهلم ولاذنوبهم! 

يصر على انعاش الفطر فيهم ولا تدري لم كلّ هذا ؟

هل أجبروه ؟ هل هددوه ؟ هل ساوموه ؟ هل أوعدوه ؟ هل قايضوه ؟

من ذا الذي اشترى منه كل هذا ، من ابتاع منه نفسه وماله وجسده وعقله وهمه ؟

إنه أمر لا يصدق ، لا يكاد يهنأ في نومه ولا في طعامه ، حتى في أحلامه يلهج بهم دون أن يشعر...

يالله طوبى لمن وفى بالعهد وثبت على العقد وباع نفسه لله واشتراه مولاه

تراه في فورة الشباب على الأسانيد قابعاً وبليلَ يذرف دموعاً خوفاً من ذنوبه نازلةً.. يُلَملِم شتاته ليلًا، يسجد حُبًا، يدعو قُرباً، 

إذا قرأ (إياك نعبد) جدد نيته وسأل الله الإخلاص 

أي عبدٍ هذا؟

هو في واد والناس في واد،  فالداعية العالي الهمة يتمثل دومًا قول الصالحين قبله: {معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون}،

لا يضره التفرد فإن طرق العلاء قليلة الإيناس عظيم الهمة يتحرى الفضائل، لا للذة، ولا لثروة، ولا لاستشعار نخوة، واستعلاء على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرًا بذلك نعمة الله، وطالبًا به مرضاته غير مكترث بقلة مصاحبيه، فإنه إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد، وطرق العلاء قليلة الِإيناس.... تراه نسراً ملحقاً بعيداً لايبالي بالأسراب

أسداً قابعًا في عرينه لا يخاف الخلطاء، ولا يستفزه الغلظاء

يقف الواحد على خندقه في الهجير كلّ نهاره يتصبب العرق منه ويجهد ذهنه وعقله ولسانه وبدنه يحذرهم وينافح عنهم ويدلهم ويوجههم ويصيح بهم حتى إذا ما جنّ الليل بات يبكي عليهم ، تراه كأنما وهب أهل الأرض ليبكي بها عليهم من شدة ما ترى من بكائه وتسمع من نحيبه. تظن أنه قلب طفلٍ في حضرة الرحمن..تجد بين توافق روحه وسكون الليل واشتعال ما فيها،  معنىً عنده لذيذ الوجود جَليل الأثر، نورٌ في الوجه، أدب في المحراب

إذ إنّ دواخل المُحبّين لا تنطفئ، والقلوب لا تنام، يظهَر بجسده يطير بروحه، يهيم قُربًا، صاحب حالٍ وترحال، تعلّق فتَخَلّق، وصَدَق فصُدِق، يهاجر بقلبه وعقله لله حتى ينال أجر المراغمة 

يرى بثباته اليوم في زمن الفتن والتنازلات وتبديل المبدلين   مراغمةٌ لأرباب الأهواء والمفسدين !

رباطه على ثغور الدعوة في وقت يصطاف في الآخرون ويتكاسل فيه المتكاسلون مراغمة لجيوش الباطل وأعوانهم !

الهم الذي يملؤ قلبه وفكره. والجهد الذي يبدو عليه

وصوته الذي يتهدّج، مراغمة كثيرة والله

وعده الله السعة وإن كان في أضيق حال، والدافع عنه ولو كان في أضعف وقت، والنصرة وقت الخذلان وترك الخلان 

يصلح إذا أفسد الناس، يجود بالنفس والنفيس في سيبل غايته وبغيته، لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات، واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب، إذا حدثته عن الحال والمآل رد أن ليس له، ولا عليه أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر، لا شأن الأجير.. 


فكل حزنٍ أصابه لا نملك دفعه عنه، لكننا نملك أن نكون معه بالدعاء

وندفعه بالمواساة .. بـ{فلا تبتئس} و {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}  و{فلعلك باخعٌ نفسك؟} .

ونقول لهم مثل ماقال رب العالمين لمن ساروا على نهجهم ومضوا في فلكهم، اختاركم الله في نفس الطريق، فالمعركة التي أنتم فيها اصطف معكم الله، وملائكته ورسله

معركة عهدها يسير، وغداً يتقابل الأولون مع الآخرين في أعلى عليين

أن سلامٌ عليكم بما صبرتم رجالٌ لم تلهيهم الحياة عن استنشاق خَلوةٍ و احتواء الدعوة، اعتصمتم بحبل الله فعصمكم الله، 

فنعم أجر العاملين 🌿