أصبح التقليد في اتباع مناهج البحث كقواعد مكتوبة وثابتة معضلة لا يمكن السكوت عنها لدى الدراسات العليا للطلاب العرب واليمنيين على وجه الخصوص، معضلة تقتل الإبداع والتأمل في سبيل تحقيق المنهج لذاته على حساب المحتوى والمضمون، مع أن الأمر لا يمت للمنهج العلمي إلا كنوع من التقليد الأعمى أو كما يُقال كإدعاء أن البحث حقق المنهجية، ظناً من الباحث أنه يسلك مسلكا علمياً وهو أبعد ما يكون عن إعمال العقل. بات استخدام مناهج البحث وتقليدها في إعداد رسالتي الماجستير والدكتوراه شيء من العبث والضرر المُمنهج، إذ يسعى البحث منذ البداية في سبيل إثبات المنهج والحفاظ على تراتبيته وتسلسله لا في سبيل استخدام المهارات العقلية والبحثية التي اكتسبها من قراءاته السابقة والتي بدورها يكتشف الباحث أي منهج علمي سلك، لا أن يفرض منهجه العلمي سلفاً، ثم يبدأ في إثبات ذلك المنهج في مراحل البحث.

هناك تراتبية لنموذج منهجي واحد نكاد نعممه على غالبية البحوث العلمية في الجامعات اليمنية خصوصا والعربية بشكل عام، حتى أنك تكاد لا تجد سواها في المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، سوى أن البعض يقدم بعضها ويأخر البعض، أو ربما تختلف المسميات لكنها تؤدي نفس الوظائف، وهو نموذج معمم على حد سوى لطلاب العلوم النظرية والتطبيقية، تبدأ مقدمة البحث أو التمهيد، ثم الخلفية النظرية أو الدراسات السابقة، ثم إشكاليات البحث، ثم الفرضيات أو الحلول المقترحة، بعد ذلك يأتي التحليل أو التجربة بالنسبة للعلوم التطبيقية، ثم الأدوات البحثية المستخدمة كالملاحظات والمقابلات والاستبيانات وبعض النماذج الإحصائية والكمية ثم الخلاصة والتوصيات والمراجع، وعلى هذا المنوال تنسج كمية كبيرة من البحوث لنيل درجة الماجستير والدكتوراه على أن كل ذلك يسمى منهج، بل وصل الأمر إلى بحوث بعض مراكز الدراسات والأبحاث، وفي كل هذا قتل للإبداع وللمنهج العقلي التأملي ونوعا من العبث ومصدر للضرر المتلبس بأدوات العلم، ذلك أن الباحث انصب جهده من أجل تحقيق منهجية البحث لذاتها والتأكيد على التزامه بقوالبها، لا من أجل استخدام مهاراته البحثية بحرية أكثر وتوضيح مدى استفادته منها خلال مراحل البحث، بمعنى أن هم المنهجية كوسيلة غلب على مهارة التحليل كمهارة عقلية وعلى نتائج البحث كغاية بحثية، ولذلك تجد مئات البحوث حققت المنهجية كقالب بحثي، لكنها لا لم تحقق أي نتائج بحثية ذات أهمية، لذا تعج مكاتب الجامعات العربية بالبحوث العلمية التي لا تعدوا كونها زينة على رفوف الجامعات.


في اليمن هناك مادة تُدرس اسمها "مناهج البحث" يدرسها طلاب البكالوريوس والماستر والدكتوراه على حد سواء، بل تُدرسها غالبية الجامعات العربية، عليها تُنسج المنهجية البحثية للطلاب الدارسين، يذهب الطالب إلى أي مكتبة جامعية أو إلى الإنترنت، يأخذ الأبحاث المشابهة لعنوان بحثه أو يتعمد تقاربها، ثم يعيد ترتيب الكلام في سياقه البحثي، وهكذا يكون قدم بحث للماجستير أو الدكتوراه، وأصبح دكتور بموجب هذا التقليد والتشابه المتعمد، بل أن الجامعة ومشرفي البحوث ينقلبون إلى ببغاوات يرددون ما في هذا الكتاب الذي عفى عليه الزمن، ويلزمون الطالب بالتباع هده المنهجيات، دون أن يكسبوا الطالب أي مهارة عقلية بحثية جديدة، تلك التي تُكسب الطالب مهارات بحثية تمكنه من خوض غمار الإنتاج المعرفي، كالتفكير السببي، والاستنتاج المتماسك للأفكار، والاستنباط وتجريد الأفكار من الخاص إلى العام والاستدلال والاستقراء والتحليل والاسترداد في العلوم التاريخانية. مع التأكيد أن الجامعات العربية في كتبها الأكاديمية تسمي تلك المهارات العقلية مناهج بحث، فهي تقول المنهج الكمي، المنهج الوصفي المنهج التحليلي، ولا أعرف كيف يمكن تسمية أداة إحصائية رياضية كالكم أو الوصف على أنها منهج، أو من أن يتحول التحليل من مهارة إلى المنهج التحليلي، أو الاستنباط كمهارة عقلية يصبح المنهج الاستنباطي، وهذا برأيي نوعا من الخلط ولا مشكلة في ذلك إلا أن تُغفل المهارة وتصبح المنهجية هي الشغل الشاغل للباحث (كيف يحققها؟).

إذا ما هو المنهج؟ إذا لم تكون تلك الأدوات مناهج؟

يقول عزمي بشارة في أحد محاضراته بعنوان "الفهم قبل المنهج" إذا سألتموني ما هو المنهج الذي تتبعه في البحث؟ سوف أقول لكم لا أدري...! بل أقول لا أعرف ما هي الفرضية! يقول أنا أكتب بشكل نقدي دون أن أفكر في المنهج، ومن يقول إن لديه فرضية جاهزة قبل أن يبدأ فيها فهو مخطئ، أو من يقول إنه يمشي وفق منهج ما فهو مخطئ، لأن الدراسة هي من تفرض المنهج، فقط يستطيع الباحث أن يتعرف إلى المهارات ويستخدمها، أما المنهج فلا يستطيع أن يفرضه سلفاً، يقول: أن الغالبية يبدؤون البحث بالفرضية ثم يتكلم الشخص عن المنهج الذي استخدمه، يقول إن هذا أسلوب العرض Presentationوليس أسلوب البحث Research.

بينما يقول المفكر عبد الرحمن بدوي في كتابه مناهج البحث، قد يكون المنهج مرسوماً من قبل بطريقة تأملية مقصودة، وقد يكون نوعاً من السير الطبيعي للعقل لم تحُدد أصوله سابقاً. ذلك أن الإنسان في تفكيره قد ينظم أفكاره ويرتبها فيما بينها حتى تتأدى إلى المطلوب على أيسر وجه وأحسنه، ثم يقول إن المنهج يكون منهجاً عقلياً تأملياً.

بينما يقول المفكر كلود برنار: إن المناهج لا يمكن أن تُدرس نظرياً كقواعد عامة يُفرض على الباحث أن يتبعها، إنما تكون بالاتصال المباشر بالوقائع والتجربة والميدان والمختبر.

ولذا ما هي المهمة التي تقع على عاتق الجامعة؟ هل مهمتها تعطي الطالب المناهج المتبعة في البحث العلمي؟ أم المهارة البحثية؟

من خلال العرض السابق يتضح لنا أن لا أحد يعرف ما هو المنهج من حيث الكيان على الأقل لا من حيث التعريف طبعاً فهنالك تعريفات كثيرة للمنهج، إنما توجد هناك منهجيات متبعة سبق وسلكتها البحوث العلمية السابقة أو أفرزتها، دون أن تكون لها مسميات أو دون علم سابق بها على أنها منهجيات، ومن خلال النظرة الشاملة لتلك الدراسات المنجزة والخصائص المشتركة والأدوات المستخدمة في تلك الدراسات التي قام بها باحثون متخصصون، استطاع الفلاسفة أن يحولوا هذا الأسلوب البحثي إلى صفات ذاتية في العقل الإنساني، ما تلبث أن تصبح مذهباً في العقل من حيث طبيعة الاتجاه في البحث عن الحقيقية، لا من حيث التقليد والاتباع، وهذا ليس بالضرورة أن يكون نمطاً يمكن استخدامه مرة أخرى، ذلك أن لكل دراسة منهجها الذي تفرضه، مع الأخذ بعين الاعتبار القدرات التحليلية والذهنية للباحث وسياقات الزمكان والثقافة والتطوير المستمر في بنية الأدوات المساعدة والمستخدمة في البحوث.

يقول عزمي بشارة المنهجية هي مقاربة تحليلية تنجم عن نظرية ما في الموضوع الذي يدرسه الباحث، بينما المهارات لدى كل البشر ولا تعتبر مناهج.

بينما يُعبر عنها الدكتور عبد الرحمن بدوي "على أنها عبارة عن نظام تحليلي في العقل، وكل باحث لديه نظام تحليل هو محصل التجارب التي في ذهنه أو ما لديه من أفكار خاصة جاءته عن طريق التأمل في الظواهر التي شاهدها من قبل، حتى إذا ما عرف استخدام تلك المهارات العقلية اللازمة من تلك المشاهدات التأملية والحسية، كان لا يعرف أهمية المنهج الذي يسلكه حتى يكمل سيره نحو نتائج البحث". بينما اليوم نجد الباحث يؤكد على المنهجية قبل أن يمضي فيها، ويؤكد على الفرضية قبل أن يصل إليها، فيصبح المنهج صيرورة البحث، وتصبح الفرضية نتيجة عرضية لتلك الصيرورة.

أصبح اليوم جل هم طالب الدراسات العليا كيف يطبق المنهجية، وأي منهجية تصلح لموضوعه البحثي، ونحن نقول المهارات العقلية أهم من المنهجية، المنهجية شيء غير معلوم البنية، والمهارات هي من تبنيها دون ماهية، إنما كبديهيات ومصادرات وتعريفات استبطنها العقل من قراءات سابقة ومطالعات وتأمل، من خلالها يحسن الباحث المشاهدة الحسية والعقلية، وعليها يضع ملامح غير واضحة للفرضية، ثم نحو ذلك يستخدم من المهارات والأدوات البحثية ما يعينه على صوغ النتائج، أما أن يضع الباحث تراتبية ثابتة مملة للبحث، تقيد الباحث وتحد من قدراته ومهارات العقلية، وتضعه في قوالب ميتة لا تفضي إلى جديد، ذلك ما عنيته من كلامي حينما قلت "تقليد أعمى وضرر باسم العلم".