شهِدَت حالة القوميّة العربية نهوضاً كبيراً في منتصف الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث لعبت دوراً كبيرأ في إستقلال أغلبيّة الدول العربيّة في بداية القرن العشرين ، لكن سُرعان ما تراجعت الفكرة القوميّة وحلَّت مكانها التيارات العلمانيّة والدينية، فما الذي أنتجه الفكر القومي؟ وما الدور الذي لعبته التيارات الدينية في بلورة معالم الهُوِيّة العربيّة؟

النشأة:

الفكرة القومية هي في الأصل فكرة مُكتسبة تُعبِّر عن الإنتماء البشري، لكن بعض الرويات تقول بأنه تم إنتاج هذا الفكر في القارّة العجوز وبالتحديد في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، ثُمَّ التقط التنويريّون و رُواد النهضة هذا الفِكر وحاولوا أن يجيبوا على عِدّة أسئلة أبرزها ماذا بَعد سيطرة الدولة الهرمة؟ ماذا بعد الهوية العثمانية؟
ومن هُنا نَمَت النزعة القومية وتحولت إلى حركة سياسية واضحة المعالم، بعد تأسيس "الجمعية العربية الفتاة" في باريس، والتي أسسها مجموعة من الطلاب العرب عام 1891التي دعت الى مواجهة الحُكُم العثماني للبلدان العربية.
ولقد أثَّرت هذه الجمعية على الفكر القومي العربي ومَهَّدت للمؤتمر العربي في باريس عام 1913، الذي ضَم مجموعة من المُفكرين والسياسين والقوميين العرب، حيث تم وضع الهدف الأساسي وهو: "البحث عن التدابير الواجب اتخاذها لوقاية الأرض المترعة بالدم من عِداية الأجانب وإنقاذها من صبغة السيطرة والإستبداد"
كان هذا المؤتمر هو الشرارة الأولى لبدء الثورة العربية التي انطلقت من الحجاز عام 1916.

بعد تلك الفترة رافق المُفكرين القوميين سؤال مهم وجوهري، من نحن؟ وماذا بعد السيطرة العُثمانيّة؟ وما هو شكل الأُمّة التي نُريدها؟
للأسف لم يتم الإتفاق على تحديد الهويّة القومية الجامعة أولاً، وثانياً لم تُحدد المساحة الجغرافية لهذه الأُمّة، حيث ظهر إختلاف في عام 1913 بِمُصطلح الأُمّة أَهَل هي من الماء الى الماء أي من الخليج الى المُحيط؟
أيضاً في ذلك المُؤتمر تم إجبار المصريين على حضور مؤتمر باريس 1913، فذهبوا كَمُراقِبين؛ لذلك الكثير من القوميين العرب بالرُبع الأول من القرن العشرين، لم يعتبروا مصر جزءاً من الأُمّة العربيّة.
في كتاب "حياتي" للمفَكِّر المصري أحمد أمين، قال لأول مرة سمعتُ في وحدة الأُمّة العربية من المُحيط الى الخليج كان ذلك في عام 1954، حيث تحدَّث عن طُلاب من بلاد الشام "في فترته الجامعية" كانوا يقنعوه بالوحدة العربية من المحيط للخليج، فكان يقف مذهولاً أمامهم، ومن هنا نستنتج أن الفكرة لم تكُن مطروحة في الحقيقة في كافة أرجاء الوطن العربي، فالوحدة العربية في تلك السنوات لم تكُن عامِل جذب لدى المصريين مثلما كانت في بلاد الشام وبالأخص سوريا ولبنان، وبالتالي الإجابة على ما هي حدود الأُمة وهوية الأُمة لم تكُن ناضجة بالشكل الكافي.
قد يتسائل البعض، حسناً لماذا كانت مصر بعيدة عن الفِكر القومي؟
الإجابة هي أنهم مرّوا في ثلاثة مراحل، الأولى كانت بالمرحلة العُثمانية، أما الثانية فهي المرحلة الوطنية بثورة عام 1919 مع سعد زغلول، التي أدّت الى بلورة الهوية الوطنية المصرية، أمّا في عهد عبد الناصر بالتحديد أصبح للهوية الوطنية المصريّة بُعداً قومياً، بعد عام 1956.


ما السلبية في وصول أغلب القيادات القومية إلى السُلطة عن طريق الانقلابات الثورية؟

جميع القيادات القومية وصلت إلى السُلطة من خلال الإنقلابات إن كان ذلك في مصر، العراق، ليبيا، سوريا.
هذا الشيء خلق سلبية في المُمارسة القومية، فالبقَدَر الذي قدَّمت فيه نفسك كَقومي عربي وهدفك هو تحقيق الأحلام والطموحات العربيّة من خلال التقَدُّم وبناء إنسان عربي جديد وتوحيد الأُمة، تغيَّر هدفك إلى جهة أُخرى تماماً وهو المحافظة على السُلطة، وبالطبع عندما يتحوَّل الهدف إلى المحافظة على السُلطة أو الإحتفاظ بالسلطة، فهذا يوجِب أن تُقيم حُكم الستراتوقراطية "حُكم الجيش".

كيف ساهمت القوميّة العربية في نَبذ التيارات الدينية من جديد؟

فكرة القومية العربية هي في الأساس فِكرة جامِعة، والفكرة الجامِعة تعني إخراج الناس من كافة هوياتيها الطائفية والعشائرية والقبلية، وهذه الفكرة جليلة حقاً، لكن للأسف ما حدث كان العكس!

تم إخراج العقيدة من الحَيِّز الخاص إلى الحيز العام، لذلك نحنُ دفعنا أثمان باهظة ولازلنا الى الآن عندما أخرجنا هذه الولاءات من الحيز الخاص الذي يجب أن يبقى خاص إلى الحيِّز العام.
وهناك ثلاثة أمثلة بسيطة للدُول الأكثر قومية في عصر النهضة:-
حسين الشافعي نائب الزعيم جمال عبد الناصر، كان يسعى بأن يجذب المسيحيين إلى الإسلام.
العقيد معمَّر القذافي في حوار شهير له مع صحيفة السفير اللبنانية حيثُ طالب المسيحيين اللبنانيين في أوائل الثمانينيات بأن يعتنقوا الإسلام.
ثم يأتي الرئيس صدام حسين في عام 1991 ليكتب على العلم العراقي جُملة "الله أكبر".
ومن هنا نستنتج أنَّ الفكر القومي ساهم في إحياء الفكر الإسلامي مرَّةً أُخرى بموروثاته السلبية.
استُخدِمَ الإسلام السياسي لِخدمة المشاريع والمؤامرات الإمبرياليّة، علينا أن نفهم الحقيقة الأهم في هذه المعادلة، الغرب الاستعماري ليس لديه أيَّة مشكلة مع هذه الأفكار الرجعية التي تحملها الحركات الإسلامية السياسية ولا ينوي أن يتآمر عليها أو على الفكر الذي تبثه، بل العكس هو الصحيح: الغرب الاستعماري مُستعد أن يدعمَ ويمول هذه الأفكار الرجعية في مواجهة الأفكار العلمانية والتنويرية خاصة إذا كانت تحمل أُفُقاً تقدُّمياً تَحررياً.
ومع ذلك نَجِد أنَّ الإسلاميين في العالم العربي لم يستطيعوا أن يُقدِّموا نموذجاً سياسياً جيداً على الإطلاق، إبتداءاً من فكرة الهوية إلى فكرة الأُمّة إلى فكرة الدولة.

إذا كان هُناك إشكالية صُغرى عند القومية في الإجابة على أسئلة مثل من هي الأُمة العربية؟ أو من هو الوطن العربي؟ فهذه الإشكالية تكبُر عند الإسلاميين.
فهل الأُمة الإسلامية من إندونيسيا إلى البرازيل؟
أم إلى حيث تصل أقدام المُسلمين بالفتوحات؟
أيضاً ما هو شكل الدولة التي يريدها الإسلام؟ هل هي الدولة السلطانية بالمفهوم القديم؟ "السُلطة بحوزة السُلطان" أي بالمعنى الأُموي والعباسي؟.
الإسلاميين على مستوى الفِكر السياسي لم يُقدِّموا شيئاً، فَلِغاية الآن مفهوم الأُمّة غير واضح عند الإسلاميين، ومفهوم الدولة غير واضح عند الإسلاميين، ومفهوم الوطن غير واضح عند الإسلاميين.


ماذا أنجب لنا رحم القومية العربية؟

إنَّ تطور الأحزاب القومية بإتجاه العِلمانية و بإتجاه الماركسيّة تحديداً، وحتّى قيادات الأحزاب البعثية والماركسية والقومية كُلُّها وُلِدت من رحم القومية العربية، وهذا يعني تطور للفكر القومي، فَهُم بهذا التحوُّل من القومية إلى الماركسية، أراد العديد من القيادات محاولة الإجابة على سؤال الهويّة، خصوصاً بعد فشل التجربة القومية العربية، ما أدّى إلى تَبنّي العديد من القيادات "الماركسية بِبُعدها القومي".


سقطت المُمارسة ولم تسقُط الأيدولوجيا:

لا يجوز إطلاقاً أن نُنسب الفشل إلى الأيدولوجيا كأيدولوجيا، يُمكن القول بأن الفكرة لم تَكُن ملائمة للواقع أو أن الممارسة لم تكن بالشكل المرجو.
وهذا لا يمنع من إعادة النظر في الفكرة وممارساتها، والتجديد عليها كي تتناسب مع الواقع أو المرحلة الموجودة، فعند طرح أيّة فكرة سياسية جديدة أو موضوع إنتمائي جديد، يُفترض أن تُخرج الناس من هوياتها الفرعيَّة إلى الهُويات الجامِعة، وليس العكس!