Image title

رغم الوجه الجمالي والبساطة في التصميم الذي تقدم ⁧آبل⁩ نفسها من خلاله إلا أن خلف ذلك أنظمة في غاية التعقيد تساعد على فهم بعض أسباب نجاحها .. عن جانب البساطة يحكي كين سيقال مؤلف كتاب " جنون البساطة " "Insanely Simple” وهو من الذين عملوا في شركة الدعاية والإعلان "TBWA\Chiat\Day" التي تدير حملات آبل التسويقية والتي صممت إعلان 1984 لتدشين الماك وحملة فكر بشكل مختلف (Think Different) التي بدأ بها ستيڤ جوبز إعادة بناء علامة آبل من جديد بعد عودته لقيادتها عام ١٩٩٧ وتدشينه للآي ماك (iMAC). والذي لقب بعده بiCEO  وتوالى ظهور  ال“i” بعدها في منتجات الشركة المتلاحقة. 

عمل المؤلف مع ستيڤ جوبز وتنفيذيي آبل عن قرب ويلخص في الكتاب تجربته وتحليله لأسلوب آبل في البساطة وأنها ليست مجرد شعار أو ذوق تصميمي في منتجاتها فقط بل هي فلسفة تنظيمية عميقة تتجلى في كل عملياتها ابتداءًا من هيكلها التنظيمي وأسلوب صناعة القرار إلى طريقة عقد اجتماعاتها وعددمن يحضرها. حتى في المحكمة تفوقت آبل على غريمتها سامسونق في عرض قضيتها بقصة بسيطة فهمها المحلفون بينما أوغل دفاع الخصم في توظيف المصطلحات التقنية المعقدة فكانت البساطة طريقها إلى الربح.

 حاول كين أن يجيب عن سبب فشل محاولات تقليد أسلوب بساطة دعايات آبل في تحقيق نفس النتائج  مثل درجة الحب والولاء للعلامة التجارية التي تتمتع بها آبل. يمثل الكتاب تجربة شخصية امتدت لعقد من الزمان في العمل مع آبل ونكست ثم مع غيرها مثل انتل وديل مما مكنه من مقارنة السلوك التنظيمي بينهم.

⁩أما في جانب التعقيد فيذكر مؤلف كتاب آبل من الداخل (Inside Apple) أن أبل تعج  بجحافل من المهندسين الصناعيين وخريجي درجات إدارة الأعمال الذين يديرون عمليات التصنيع والتوريد والإمدادات بدقة وسلاسة وسريّة فائقة النظير تضمن للشركة وصول منتجاتها للمتاجر في أنحاء العالم في نفس التوقيت .. ورغم إعراض جوبز عن توظيف خريجي إدارة الأعمال كما كان يزعم، إلا أنه قام بتوظيف تيم كوك المهندس الصناعي وموظف آي بي إم السابق الذي يحمل درجة عليا في إدارة الأعمال لتأسيس شبكة إمدادات ⁧آبل⁩ المعقدة والذي أصبح ليس فقط مديرًا للعمليات بل ورئيسًا للشركة من بعده. 

كما ذكرنا لم يكن ⁧ستيڤ جوبز⁩ محبًا لعلوم الإدارة بل أنه منع أساتذة كلية هارڤارد لإدارة الأعمال من دخول ⁧آبل⁩  بحجة أنهم شوهوا سمعتها بعد أن كانوا يتجولون داخلها بحرية ويؤلفون وينشرون الحالات الدراسية عنها أثناء فترة خروجه من الشركة..ولكن فجأةً وفي عام ٢٠٠٨ حصل تحول في موقفه.. حيث قرر ستيڤ جوبز إنشاء جامعة آبل كمركز تدريب داخلي لتدريس منسوبي الشركة المتزايدين طريقة آبل في التصميم والإدارة وخلطتها السرية في دمج للبساطة والتعقيد في نفس الوقت للتأكد من توارث ثقافة المنظمة،  واستقطب لتأسيسها عميد كلية الإدارة في جامعة كورنيل البروفسور الشاب جويل بودولني ثم قام بتعيينه كنائب للرئيس للموارد البشرية. سبب التفاتته لجويل أنه قام بثورة في تصميم مواد الإدارة في كورنيل فاستقطبه بسّرية تامة وأحاط جامعة ⁧آبل⁩ ومحتويات موادها بالكتمان .  يدرِّس في جامعة آبل رئيس الشركة تيم كوك مع أستاذ في تاريخ المؤسسات من هارڤارد وآخر من استديو بيكسار وأستاذان من جامعتي بيركلي وستانفورد. من أمثلة المقررات التي تدرس في ⁧جامعة آبل⁩ والتي في الغالب يكون محتواها غير قابل للنشر :التواصل داخل ⁧آبل:⁩ وهو عن التواصل الواضح ومشاركة الأفكار داخل الشركة، إدارة المشاريع، إدارة الموردين، ماالذي يجعل من آبل،آبل والذي يركز على أسلوب آبل في التصميم وتبسيط التقنيات المعقدة

ويتواصل الحديث عن السرية في آبل فهي جزء لا يتجزأ من هويتها - وإن كان هناك تغيير واضح في مستوى تحفظها مؤخراً-  فمن الطبيعي جدًا أن تجد مجموعة من النجارين يعلمون بجدية لإحاطة مجموعة من المكاتب المفتوحة بجدران بين يوم وليلة لتغلق بأبواب عليها أرقام سرية  لتضم فريقًا يعمل على منتج جديد لايعرف عنه أحد.  ولكن رغم تلك السرية الخانقة التي تحيط بها نفسها وموظفيها خارجيًا وداخليًا إلا أن هذه السرية تتلاشى بمجرد وصول المشاركين إلى اجتماع آبل السنوي المعروف بأعلى مائة (Top 100) حيث تسقط كل حواجز السرية ويتم عرض ومناقشة تفاصيل المنتجات المتوقعة خلال ال ١٨ شهر المقبلة. يدعى إلى الاجتماع ١٠٠ شخص فقط ومن مستويات مختلفة تمثل المسؤولين الكبار وبعض أعضاء الإدارة الوسطى والمهندسون. وقد لايدعى إليه بعض كبار المسؤولين بينما يدعى إليه مهندسون قد لايحملون أي مسميات وظيفية ملفتة للنظر ولكن لهم علاقة قوية بالمنتجات الحالية أو المستقبلية. يحلم موظفو آبل بشرف حضور ذلك الاجتماع حيث أن كثيرًا منهم قد قضى فترة طويلة في الشركة دون أن يدعى إليه. ورغم أن الاجتماع يقتصر على مائة من منسوبي آبل إلا أن الذين يعملون على تحضير مواده وعروضه هم أضعاف هذا الرقم ويتم كل ذلك في هدوء وسرية تامة. 

آبل أسطورة تجبر متابعيها على قراءتها وإن لم يكونوا من مستخدميها لأنها تضعهم في موقع التساؤل عن ماذا سيأتي لاحقًا وهنا تكمن الإثارة .. فهي منظمة لاتطرح منتجات جميلة التصاميم ومتقدمة التقنيات فحسب بل تتجاوزها إلى خدمات أنيقة ميسرة مثل نظام الدفع آبل باي (Apple pay) وبطاقة آبل الائتمانية ( Apple Card) وأخيرًا وليس آخرًا الإنتاج الفني والبث التلفازي (+Apple TV) وصنع أسوق داعمة لها وهذا أحد أهم مايمزها عن غيرها .. إنها بحق التفاحة التي ينتظر الملايين بشغف الكشف عن أسرار مفاجآتها واستخدام منتجاتها وتجربة خدماتها .. فشغلت العقول وسلبت الألباب .. فهل ستستمر كذلك؟